عودة جنون التفجير والقتل المروع إلى العراق، تذكير مفجع بمعضلته الأمنية ـ السياسية، المزمنة والمستعصية. عدد الضحايا والجرحى الذين سقطوا في التفجيرين، مخيف ويحمل رسائل مختلفة. يد العنف والإرهاب أثبتت أنها لا تزال، حتى الآن، قادرة على تسديد ضربات؛ بمثل هذه الصورة المرعبة. الذي لا شك فيه أن هناك فجوات أمنية خطيرة؛ تسللت منها السيارتان المفخختان. تنفيذ مثل هذه العمليات المركبة، يحتاج إلى مفاصل رخوة تكفل تمريرها إلى أهدافها.
لكن، مع ذلك، تبقى جذور المشكلة كامنة في الخلل الذي استبدّ بالعملية السياسية ومنع استكمالها، بحيث تتكفل بسدّ مثل هذه الفجوات. هنا كان، وما زال، لبّ المعضلة.. التهاب سياسي يفرز التهابات أمنية.
مثل كل مرة، تنوعّت وتقاطعت القراءات. وكذلك هي الحال على صعيد الاتهامات. الأصابع صوّبت في أكثر من اتجاه، داخلي وخلف الحدود. تردّد أن تصاعد العمليات مرتبط «باقتراب موعد الانتخابات»؛ في مطلع العام المقبل. كما تردّد أن الفاعلين «هم أنفسهم» الذين قاموا بتفجيرات «الأربعاء الأسود»، في أغسطس الماضي. كلام كثير وشبهات في أكثر من جهة، وقد تكون كلها أو بعضها، مشروعة. طبعاً، هناك من له مصلحة في التخريب الأمني للوضع. قد يكون الدافع، إشعال نار الفتنة، أو تصفية حسابات سياسية، أو إبلاغ رسائل معينة..
كل هذه الأسباب غير مستبعدة. عمليات التفخيخ والتفجير وسفك الدماء بالجملة؛ ليست أمراً طارئاً على الساحة العراقية. صحيح أن المنسوب هبط في الآونة الأخيرة، والحالة الأمنية شهدت تحسناً ملموساً. العاصمة بغداد عادت إليها دورة حياة شبه عادية، في أكثر من جانب. الحركة انتعشت، في ظلّ حالة ملحوظة من الاسترخاء المفقود منذ سنوات. لكن الصحيح أيضاً أن العنف ما زالت الأبواب مفتوحة أمامه، أو هو قادر على فتحها، لا فرق.
ومثل كل مرة، تطلّ المجازر وفظائعها، مع تصاعد التأزم السياسي. قانون الانتخابات يتعثر منذ أيام في مجلس النواب. تعذر الاتفاق، حتى الآن على صيغة معينة. يحصل ذلك على خلفية قضايا أساسية متراكمة، جرى التعامل معها بالترحيل والتأجيل. من تعديلات الدستور، إلى الخلافات حول وضع كركوك، وتوزيعات الموازنة، والتخوم الإدارية في أكثر من منطقة.. وغيرها. اختناق سياسي، يولّد احتقانات تجد تعبيراتها في العودة إلى العنف، أو أنها تجد من يغتنم فرصتها لترجمة هذه العودة. معادلة صارت معروفة في المشهد العراقي.
إنجاز العملية السياسة، هو المدخل الذي يكفل كسر هذه القاعدة. في أقله يحاصرها ويقلل خسائرها، تمهيدا لإخراج الساحة المنكوبة من نفق العنف القاتل، للعراق والعراقيين.
