(كلب عض رجلاً؛ ليس خبراً، رجل عض كلبا؛ هو الخبر)، هذا هو الدرس الأول الذي يتلقاه طلبة الصحافة والإعلام في مادة الخبر. ووفق هذه القاعدة عرضت إحدى المحطات الفضائية العربية الأسبوع الماضي تسجيلا مصورا لمدرس يقفز من فوق سور المدرسة الخلفي متسللا أثناء ساعات الدوام الرسمي، في مشهد تعودنا أن نراه يحدث من قبل الطلبة المشاغبين، لكنها المرة الأولى التي نراه يحدث فيها من قبل أحد أعضاء الهيئة التدريسية الذين نربأ بهم عن الشغب!

في تفاصيل الخبر أن المدرس الذي يعمل بإحدى مدارس المحافظات الجنوبية في ذلك القطر العربي، خرج أثناء الدوام الرسمي، وبعد أن غادر المدرسة وصلت لجنة من لجان التفتيش بالوزارة على حين غرة وقامت بإغلاق جميع الأبواب.

ويبدو أن مدرسنا العزيز قد عاد بعد أن تمت المداهمة فوجد جميع المنافذ مسدودة في وجهه وأسقِط في يده، فلم يجد وسيلة للدخول وهو في حالة الارتباك التي كان عليها، سوى استعادة منظر طلبته وهم يتسلقون جدران المدرسة، فهداه تفكيره إلى تقليدهم كي يخرج من الورطة التي وجد نفسه فيها وينقذ رقبته من حبل التحقيق والمساءلة والعقاب.

كان يمكن أن تتم هذه العملية في هدوء، بعيدا عن أعين المتطفلين، لولا أن سوء حظه شاء أن يكون بعض الطلبة في فناء المدرسة يؤدون حصة في التربية الرياضية، ولغرابة المشهد، أو لغرض في نفس الطلبة، قام أحدهم بتصويره بواسطة هاتفه النقال ليصبح بعدها حديث المدرسة، ثم المحافظة، قبل أن يصل المشهد المصور إلى إحدى الفضائيات في العاصمة فيصبح حديث القطر كله.

ناظر المدرسة التي يعمل فيها المدرس سيئ الحظ، أنكر عند الاتصال به من قبل مقدم البرنامج الواقعة جملة وتفصيلا، رغم أن المحطة كانت تعيد بث المشهد المرة تلو الأخرى، وقال حضرة الناظر إنه منح ما يقارب 12 مدرسا في ذلك اليوم إذنا بالخروج لإنجاز بعض المعاملات، الأمر الذي أثار استغراب المذيع ودفعه إلى التساؤل عن إمكانية السماح لهذا العدد الكبير من المدرسين بالخروج أثناء ساعات الدوام المدرسي، دون أن ينعكس ذلك سلبا على الطلبة والعملية التعليمية في المدرسة.

كان يمكن أن لا يجد المدرس نفسه في هذا الموقف، لو أن قليلا من الحظ حالفه فتأخر دقائق عن «التزويغ» من المدرسة ووصلت لجنة الوزارة قبل مغادرته، أو أنه عاد من مشواره متقدما قليلا فوصل بسلام قبل وصول اللجنة، أو أن جدول الحصص قد خدمه فلم تصادف ساعة النحس تلك حصة التربية الرياضية، أو أن مادة التربية الرياضية لم تكن مدرجة أصلا في المنهاج الدراسي.

أو أن أحدا من الطلبة لم يكن يملك هاتفا نقالا، أو أن الهاتف المتحرك لم يكن مزودا بكاميرا، أو أن بطارية الهاتف كانت ساعتها قد نفدت فلم يعمل، أو أن إدارة المدرسة كانت أكثر صرامة فمنعت الطلبة من حمل الهواتف النقالة في المدرسة، أو منعته هو على الأقل من مغادرة المدرسة أثناء الدوام، لكن شيئا من هذا لم يحدث فقدّر الله وما شاء فعل، واصطادته الكاميرا الملعونة في اللحظة غير المباركة، وأي فكرة تخطر على باله الآن هي من قبيل (لو) التي تفتح عمل الشيطان (عليه اللعنة).

بداية، أسجل تعاطفي مع هذا المدرس المسكين رغم أن الكثيرين قد يختلفون معي، فهو في رأيي الحلقة الأضعف في هذه القضية، بل ربما في العملية التعليمية كلها، مع احترامي الشديد لكل المدرسين الذين ندين لهم بالفضل انطلاقا من القاعدة التي تعلمناها صغارا (من علمني حرفا صرت له عبدا).

وقد علمنا مدرسونا الأفاضل حروف الأبجدية كلها التي لولاها ما عرف الكتّاب والمذيعون والصحافيون توجيه نيران مدافعهم إليهم، بعد أن وصل الحال بواحد منهم إلى تسوّر جدران المدرسة خوفا من لجنة تفتيش جاءت تشن غارة مفاجئة على مدرسة، تماما كما نشاهد الشرطة تفعل في الأفلام والمسلسلات وهي تنصب الكمائن لتجار المخدرات وتداهم أوكار المدمنين.

لو أن وزارة التربية والتعليم التي أرسلت فرقة التفتيش تلك، كانت واثقة من أنها قد أعدت البيئة الصحية للعملية التعليمية، لما اضطرت إلى مداهمة مدرسة من مدارسها واللجوء إلى إغلاق الأبواب وعد الرؤوس وفرزها.

لو أن وزارة التربية والتعليم عرفت كيف تهيئ إدارات ذات كفاءة عالية لمدارسها، لما اضطرت إلى تشكيل فرق تفتيش ولجان لمراقبة أداء هذه الإدارات، ولما وضعت نفسها في مثل هذه المواقف المحرجة.

لو أن وزارة التربية والتعليم عرفت كيف تُعِدُّ المدرس الكفء القادر على القيام بالمهمة التعليمية على أكمل وجه، وهيأت له الظروف المناسبة والحياة الكريمة فلم تجعله يلجأ إلى إعطاء الدروس الخصوصية والبحث عن لقمة عيشه في أماكن أخرى، لما اضطر هذا المدرس المسكين إلى تسوّر جدار مدرسته خوفا من انكشاف أمره معرّضا نفسه لكل هذه المهانة.

لو أن وزارة التربية والتعليم استطاعت أن تجعل الطلبة يحبون مدرستهم، لما شاهدنا طالبا واحدا يتسرب من مدرسته، أو يرمي حقيبته عند عتبة باب بيته أو غرفته، أو يمزق كتبه في نهاية العام الدراسي.

لو أن وزارة التربية والتعليم استطاعت أن تقنعنا بأنها وزارة (تربية) و(تعليم) فعلا، لما وجدت إنسانا واحدا يتعاطف مع مدرس يهرب من مدرسته ويعود إليها متسللا، دون أن يشعر بالخزي والعار لأنه أساء إلى أنبل وأشرف رسالة على وجه الأرض؛ رسالة التعليم التي كاد حاملوها أن يكونوا رسلا لو استطعنا أن نوفر لهم مناخ الإبداع والتفوق.

لو استطاعت دولنا أن تهيئ وزارات تعرف هذا جيدا، لما وجدنا أنفسنا مضطرين لقول كلام هو من نافلة القول وتكراره المرة تلو المرة.

لا نقول هذا في حق وزارة تربية وتعليم محددة ولا دولة معينة، وإنما نقوله على وجه العموم، لأنه ما لم يستقم حال التعليم فلن يستقيم حال الاقتصاد، ولا حال السياسة، ولا حال الثقافة، ولا حال المجتمع كله، لأن التعليم هو ملح هذه الأشياء كلها إذا فسدت، فماذا نفعل إذا فسد الملح؟

كاتب إماراتي

aliobaid4000@yahoo.com