تبدو الساحة الفلسطينية وكأنها عازمة على استنزاف نفسها بنفسها، حتى آخر رمق. مسلسل الاشتباك مع حالها، يكاد لا ينتهي. حلقاته تتناسل عن بعضها، على غير انقطاع. ما أن تنطوي صفحة قضية أو مسألة، بين غزة ورام الله؛ حتى تنفتح صفحة خلاف جديد. ومع كل مرة يتعمق الشرخ ويزداد التباعد، أكثر فأكثر.
التباين حول صيغ العمل للخلاص من الاحتلال، تحوّل إلى أولوية طاغية. بات محور الصراع. وكأنه ليس هناك قواسم مشتركة جامعة بينهما، أو أن القضية الواحدة ليست مهدّدة بنفس الخطر والمصير. آخر جولة تدور الآن حول تحديد موعد الانتخابات من قبل الرئيس الفلسطيني؛ واعتراض «حماس» على ذلك. مطالعات وحيثيات الطرفين، متعدّدة ومتلاطمة.
كل واحد له مقاربته ومنظوره. قد يكون لكل (فذلكتة) الانتخابية، من الناحية القانونية الصرفة. لكن القضية ليست معزولة عن سياقها السياسي العام وجوانبه المتعدّدة. الانتخابات استحقاق دستوري؛ لا بدّ من مواجهته. البديل فراغ، يزيد من الإرباك ويخدم إسرائيل. الخلاف بشأن توقيته، جاء على خلفية تبدّد مشروع المصالحة؛ في اللحظة الأخيرة. حصل ذلك في ضوء الملابسات التي أحاطت بتقرير غولدستون. وبدلاً من الرجوع إلى المصالحة، بعدما جرى تصحيح الخطأ الذي ارتكب بخصوص هذا التقرير؛ تفاقمت العلاقات وأخذت منحى أكثر حدّة من السابق. وبذلك، خرج الوضع من مشكلة ليدخل في أخرى.
طوي ملف المصالحة، ولو إلى حين، لتحل مكانه لغة تهدّد بقطيعة، مفتوحة هذه المرة على تداعيات بالغة الخطورة؛ تهدّد بتكريس التقسيم بين الضفة والقطاع. وما يزيد من أخطار هذا التدهور، الذي أعاد الأمور إلى المربع الأول، انه يأتي في لحظة إسرائيلية شديدة الشراسة. حمى الاستيطان، ضربت أطنابها، حسب الصحف والمصادر العسكرية الإسرائيلية نفسها. أيضاً هجمة التهويد في القدس. وعود السلام، وضعها نتنياهو في الثلاجة.
في المقابل، تكتفي الإدارة الأميركية بالحرص على الظهور بمظهر المتحرك. الرئيس أوباما يطمئن، باتصال هاتفي، الرئيس الفلسطيني، حول استمرار التزامه بإقامة الدولة الفلسطينية. الوزيرة كلينتون، تشدّد، في تقريرها الذي رفعته إلى رئيسها، على وجوب استكمال العمل لاستئناف المفاوضات. المبعوث ميتشل، يعود إلى المنطقة، الأسبوع القادم. مجرد حركة بلا بركة.
وفي ذات الوقت يتوالى الدعم والاحتضان لإسرائيل: المناورات الجوية المشتركة، متواصلة؛ الإدارة تواصل هجومها على تقرير غولدستون؛ والرئيس أوباما يقبل الدعوة لإلقاء خطاب أمام مؤتمر الجاليات اليهودية في أميركا الشمالية، المزمع عقده بين الثامن والعاشر من نوفمبر القادم. مع ذلك تختار الساحة الفلسطينية نسف المصالحة الوطنية وتعميق الهوّة بين أطرافها. الاحتلال الإسرائيلي يغرس أنيابه في جسمها، وهي مشغولة بنهش نفسها.
