ولد سيف بن غباش بتاريخ 21/10/1932 في منطقة المعيريض في إمارة رأس الخيمة، والده سعيد بن غباش بن مصبح المري، ينتسب إلى قبيلة المرر، وهي إحدى قبائل بني ياس من منطقة الظفرة في إمارة أبوظبي، وكان سعيد تاجر لؤلؤ ميسور الحال، كريما مضيافا، ويحب العلم والعلماء.
وعلى هذا الدرب نشأ سيف بن غباش، وبدأت مسيرة حياته التعليمية منذ العام 1946 على يد الشيخ أحمد بن حجر، فدرس علم النحو والبديع والبيان والفقه والفرائض، في مدرسة بن حجر التي ما زالت شاهدة على من درس فيها حتى الآن.
وفي عام 1949 سافر إلى البحرين في أحد مراكب العائلة، وعند وصوله توجه إلى المكان الذي يوجد الآن في شارع الشيخ عبد الله، حيث كانت تقع المكتبة العامة في المنامة، ودخل وسأل الحاضرين عن كيفية الالتحاق بالمدرسة، فأخذه أمين المكتبة محمد صنقور إلى مدير المدرسة، فرفض بسبب بدء العام الدراسي، ولكن الدكتور فيصل الموسوي يقول إن والده أشار على المدير بإجراء اختبارات له، فنجح وترفع إلى المرحلة النهائية الابتدائية.
ويشير وزير الصحة القطري السابق الدكتور حجر بن حجر، وهو احد أبناء رأس الخيمة، إلى أن سيف كان متفوقا في اللغة العربية وعلوم الحساب، فكان طالبا نشيطا استغل أوقات فراغه في القراءة والكتابة وتعلم اللغة الانجليزية، ونشر مقالات في الصحافة البحرينية أبرزها مجلة المعرفة عن الأدب، بتاريخ 10/4/1953 بعنوان «أدباء أحياء»، يقول في إحدى فقراتها «إن الأدب الذي نريده هو ذلك النوع الزاخر بمعاني الحياة المليئة بالقوة». وكانت البحرين المحطة الأولى في حياته، حيث تبلورت طموحاته ووعيه الثقافي والسياسي والقومي.
وفي أواخر صيف 1953 غادر البحرين إلى العراق، وهو يحمل رسالة توصية من المعارف البحرينية لقبوله في جامعه بغداد لإكمال دراسته في كلية الهندسة، وبسبب الأوضاع السياسية السائدة في الوطن العربي آن ذاك، غادر سيف بغداد إلى القاهرة بعد أن أمضى سنتين في العراق، مع مجموعة من الطلبة العمانيين والبحرينيين، ثم إلى الكويت بعد فترة قصيرة ليعمل مساعد مهندس في دائرة الأشغال الكويتية، وخلال إقامته تعرف على علي السيار الذي يقول عنه إن محور أحاديثهم كان «عن هموم الناس البسطاء التي تجرنا في أعماق التاريخ حينا وأرض الواقع حينا».
وبعدها قرر الرحيل إلى النمسا في عام 1959، وهناك درس اللغة الألمانية وعمل في شركة إنشاءات ألمانية في مدينة دوسلدورف كمساعد مهندس بناء، وفي عام 1961 انتقل للعمل في سويسرا بالمهنة ذاتها.
وكانت لديه قدرة عجيبة على تعلم اللغات، فذهب إلى ايطاليا ليتعلم اللغة الإيطالية خلال فترة قصيرة، ولكن حبه لفرنسا جعله ينتقل إليها في عام 1964، وأبرز من قابلهم الدكتور علي حسن تقي الذي يقول عنه: «هذا الرجل الذي صادفه الكثير من المصائب، كان دائم التفاؤل، الابتسامة لا تفارقه وروح الفكاهة دائما حاضرة عنده».
وقد حاول أن يحصل فيها على منحة دراسية، لكنه جوبه بعقبات القبول، الأمر الذي اضطره للسفر إلى الاتحاد السوفييتي ليحصل هناك على منحة دراسية في كليه العلوم والتكنولوجيا في العاصمة موسكو، أتقن خلالها اللغة الروسية وحصل على درجة الماجستير في علم الهندسة البحرية من جامعة ليننجراد، وتعرف إلى زوجته الروسية التي أنجبت له بنتا وثلاثة أبناء (أحدهم حالياً سفير لدولة الإمارات).
وعاد سيف بن غباش إلى مسقط رأسه في إمارة رأس الخيمة عام 1969، بعد غربة دامت 20 عاما قضاها متنقلا بين العواصم العربية والأجنبية وكله حماس ونشاط ورغبة في خدمة الوطن، فعين رئيس قسم الهندسة في بلدية رأس الخيمة. وبعد فترة ونظرا لاتساع علمه وثقافته وتمكنه من إتقان ست لغات (الإيرانية والانجليزية والألمانية والفرنسية والايطالية والروسية) إضافة إلى دبلوماسيته، قرر صاحب السمو الشيخ صقر بن محمد القاسمي حاكم رأس الخيمة اصطحابه في زياراته الرسمية إلى خارج البلاد. وقد برز نشاطه الإعلامي جليا في قضية احتلال إيران للجزر الثلاث طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى.
وبعد إعلان اتحاد الإمارات في 2 ديسمبر عام 1971، كان لا بد من إعداد شباب الإمارات ليتولى مناصب المؤسسات والوزارات الحكومية، فأسند معالي أحمد خليفة السويدي، وزير الخارجية آنذاك، مهمة وكيل الوزارة إلى سيف بن غباش، فكان نعم الاختيار لإنسان مدرك لقضايا بلده وأمته، عمل على تربية جيل جديد من الدبلوماسيين الذين شهدوا له بحب العمل والتفاني في أدائه. كما اتصف بسعة الاطلاع وقدرته الفائقة على التحليل الموضوعي للأمور، إضافة إلى لباقته في الحديث.
وفي عام 1973 شكلت وزارة اتحادية جديدة وأصبح فيها سيف وزير دولة للشؤون الخارجية، وكان أمرا غير مألوف أن يكون للدولة وزارتان للخارجية، ولكن نظرا لانشغال معالي أحمد خليفة السويدي في إرساء دعائم الاتحاد، أوكلت رئاسة مجلس الوزراء إلى سيف بن غباش مهمة هذه الوزارة. فحرص سيف بن غباش على توطيد عرى الصداقة بين دولة الإمارات والعديد من دول العالم، فأعطى للإمارات سمعة دولية حضارية وإنسانية مميزة.
كما حرص على إبراز دور دولة الإمارات في القضايا الدولية، بإلقائه العديد من الخطب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وكان آخر خطاب له في أبوظبي بمناسبة يوم الأمم المتحدة في 24/10/1977، قبل مقتله بيوم.. وفي 25/10/1977 اغتيل سيف بن غباش، حيث كان يرافق عبد الحليم خدام وزير خارجية سوريا آنذاك، في مطار أبوظبي لوداعه.
كانت الرصاصات، باعتراف المهاجمين، موجهة لعبد الحليم خدام، لكنها أصابت سيف بن غباش رحمه الله، لتدفع الإمارات ثمنها باهظا بفقدها أحد أخلص أبنائها، وقد نعاه المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في تصريح خاص لمجلة الحوادث اللبنانية الصادرة في 4 نوفمبر 1977 بقوله: «لم يقل في حياته كلمة سوء عن بلد عربي أو فريق عربي أو حاكم عربي».
رحل سيف عن عمر يناهز الخامسة والأربعين، وهو في أوج نشاطه السياسي، بعد حياة مليئة بالجد والمثابرة والكفاح والطموح اللامحدود..
سيف بن غباش حياته كفاح وعبر.. ودرس في الانتماء الوطني.
كاتبة إماراتية
