تركيا في قلب الحدث، أو تركيا صانعة الحدث في الشرق الأوسط الكبير حتى عمقه الآسيوي القوقازي. هذا ما يمكن أن يخرج به من استنتاج كل متابع للمشهد السياسي في ذلك الفضاء الجيو استراتيجي الواسع.

بعد تسعين عاما من سقوط الإمبراطورية العثمانية، تبدو الإمبراطورية التركية، أو كما يحلو للبعض أن يصفها بالإمبراطورية العثمانية الجديدة للدلالة على وجود مضامين وآليات ووسائل لسياسات النفوذ والتموضع في العالم مختلفة بالطبع عن السابق، تبدو عائدة بقوة «في لعبة الأمم»، اللعبة المستمرة عبر الزمان في السباق على بناء النفوذ. لعبة لم تتغير ولو تغيرت العناوين وصياغة الأهداف وآليات النفوذ وسبل بنائه.

نحن أمام هجوم دبلوماسي تركي في كافة الاتجاهات، يستفيد بذكاء شديد من أوضاع خارجية تتسم بفراغ القوة كما هو حاصل في الفضاء العربي، وباختلالات موازين قوى إقليمية وصراعات استراتيجية في أقاليم الشرق الأوسط الكبير، وهي كلها أوضاع جاذبة ومشجعة تشرع الأبواب أمام هذا «الهجوم» الدبلوماسي.

أحداث ثلاثة أخيرا تعبر عن دينامية الإمبراطورية التركية: أولا، الأزمة المتفجرة بعد سياق من التأزم في العلاقات التاريخية والاستراتيجية التركية الإسرائيلية. قد يكون عنوان الأزمة إلغاء المناورات الجوية المشتركة من قبل تركيا، والتي أغضبت الإسرائيليين وأخافتهم بشكل خاص من هذا الموقف المتغير للمؤسسة العسكرية التركية التي كانت متفقة كليا مع القيادة السياسية في هذا الإلغاء.

وقد يكون عنوان التأزم أيضا غضب إسرائيل من فيلم تركي عنوانه «الفراق»، تعتبر الدولة العبرية أنه موجه بقوة ضد صورة الجيش الإسرائيلي وسلوكه في الأراضي المحتلة. والمثير للاهتمام أن عنوان الفيلم يعبر أيضا عن الحالة التركية الإسرائيلية الراهنة.

لكن الأسباب الحقيقية في هذه الأزمة أبعد من ذلك، فتركيا العائدة بقوة إلى الشرق الأوسط، عائدة لتسوية النزاعات واحتوائها، وعائدة للانخراط تحت سقف المرجعيات الدولية في العمل على قيام الدولة الفلسطينية، وفي تسوية صراع هو مصدر أساسي للتفجر في المنطقة، كان لا بد أن تصطدم بسياسة إسرائيلية ناشطة ضد السلام، ومتراجعة عن سياقات، ولو متعثرة، منذ مطلع التسعينات تدفع للسلام.

ثم ان تركيا أيضا المتصالحة مع تاريخها والمعبرة عن مزاج مجتمعها، لا يمكن أن تتجاهل هذه السياسات الإسرائيلية العدوانية وعنوانها مأساة غزة، التي تحمل مخاطر على المنطقة، وتساهم في رفع منسوب الراديكالية في مجتمعاتها. وتركيا تدرك، كما يعترف بذلك أكثر من أكاديمي وكاتب إسرائيلي، أنها حاجة إسرائيلية في عملية السلام، ولو أنها معلقة حاليا، أكثر مما هي إسرائيل حاجة تركية في استراتيجيات المنطقة المشجعة للعودة التركية.

ثانيا، التحول في العلاقات العربية التركية، حيث عاد العالم العربي ليصبح أولوية في الاهتمام التركي، من لبنان إلى اليمن إلى السودان والى العراق، والى دبلوماسية التوسط في العلاقات العراقية السورية وتسهيل وتطبيع العلاقات السورية السعودية، وإقامة علاقات مع العراق تريدها تركيا كما يقول رئيس وزرائها نموذجا للشرق الأوسط كله. فتركيا تعود إلى العرب عبر البوابتين السورية والعراقية.

بوابتان عربيتان تحملان أكثر من رمز جغرافي، وتعبران بشكل خاص عن حالة عربية جديدة مشجعة ومطالبة بدور تركي، البعض يعتبره دور توازن للاستقرار والبعض الآخر يراه دورا مسهلا للتسويات، بينما يعتبره آخرون دورا ضامنا ومطمئنا للمخاوف.

ثالثا، التوصل إلى تحقيق اختراق تاريخي في عملية تطبيع، غير سهل بالطبع ولكنه غير مستحيل، مع أرمينيا عبر دبلوماسية كرة القدم وبرعاية مشتركة أمريكية روسية. فهذا الاتفاق يعبر عن تحول تاريخي، ولو أنه ما زال أمامه العديد من الصعوبات. اتفاق يعبر عن ما أسماه الرئيس عبد الله غول «نهاية الحروب الباردة في القوقاز»، ويعتبره بمثابة مدخل لتعزيز الاستقرار والأمن في القوقاز..

تركيا المتصالحة مع تاريخها ومع ذاتها، تبدو اليوم وكأنها جسر تواصل، وفي حقيقة الأمر كأنها نجحت في أن تجعل من ذاتها جسر تواصل بين عوالم مختلفة: بين الأطلسي والإسلامي، بين الشرقي والغربي، بين الآسيوي والأوروبي. ومع أنها ما زالت أمام بوابة الاتحاد الأوروبي، لكنها موجودة في كافة هذه العوالم.

هذا الدور الناشط والمتوسع في هذه العوالم المشار إليها، ما كان له أن ينطلق بقوة لولا وجود عناصر ثلاثة متكاملة: أولها مجتمع ديناميكي حيوي، وثانيها رأي عام واع ومتفاعل مع الدولة في إطار تراث ديمقراطي يعتبر متقدما ومتجذرا، وثالثها سياسة خارجية براغماتية، مما يساهم في تعظيم إمكانات تركيا وتوظيفها في خدمة الدور التركي الناشط والفاعل.

كاتب لبناني

hitti@wanadoo.fr