يرجع جانب كبير من الاهتمام الداخلي والخارجي بانتخاب باراك أوباما رئيسا للولايات المتحدة، إلى جدة هذا التطور وفرادته. ولم يعد أوباما بالتغيير، وإنما جسد هذا التغيير.

والآن يمكن للناخبين اليابانيين القول إنهم قد تفوقوا على نظرائهم الأميركيين. فقد نقلوا السلطة عبر الانتخابات التي شهدتها البلاد، من الحزب الذي حكم اليابان بصورة فعلية على نحو مستمر منذ عام 1955، إلى الحزب الديمقراطي الياباني المعارض. وهذا التطور حمل التغيير معه، ولكن بالنسبة للمستقبل المنظور سيكون التغير غير الظاهر للعيان أكبر بكثير مما تقع عليه العين.

ويدرك قلائل على امتداد العالم، طبيعة الانعطافة التاريخية التي حملها فوز الحزب الديمقراطي الياباني. فحتى إعلان فوز الحزب، كان الحزب الليبرالي الديمقراطي قد بقي في السلطة طويلا، بحيث أن العالم كان يعرفه باعتباره «الحزب الليبرالي الديمقراطي الياباني الحاكم».

ولكن بعض المراقبين لاحظوا باهتمام على امتداد العالم، أن الناخبين اليابانيين كانوا يبلغون القائمين بعمليات استطلاع الرأي، بأن الحزب لم يتصد بقوة للركود الذي تعاني منه اليابان، وكانت تقديرات الموافقة على أداء الحزب تمضي من سيئ إلى أسوأ على امتداد شهور طويلة. وكان الشيء الوحيد المفاجئ في الانتخابات اليابانية، هو فوز الحزب الديمقراطي الكاسح فيها.

والمهمة الصعبة التي بدأ الحزب الحاكم الجديد في الانطلاق لأدائها، هي أن يوقف ثاني أكبر اقتصاد في العالم على قدميه مجددا. ويتوقف المحللون أمام بعض الوعود غير العادية التي قطعها مسؤولو الحزب الديمقراطي الياباني على أنفسهم.

وكما تعهد أوباما بأن الجدارة، وليس الصلة الأيديولوجية، هي التي ستحسم هوية من يشغل المناصب الحكومية الكبرى في إدارته، فإن رئيس الوزراء الياباني الجديد يوكيو هاتوياما قد وعد بأن الموهبة، وليس الولاء السياسي، هي التي ستحسم مسألة هوية من يدير الجهاز البيروقراطي للدولة في اليابان. وكما تعهد أوباما بتقليص نفوذ نشاط الأعمال على السياسة الاقتصادية وأن يهتم بأنشطة الأعمال الصغيرة والمزارعين والمستهلكين، وكما يشدد على أن أميركا لا بد لها من أن تقلص اعتمادها على النفط المستورد من الخارج.. فإن هاتوياما يقول إنه يريد أن يقلص اعتماد اليابان على واشنطن في تحقيق الأمن، وتطوير علاقات أفضل مع الصين.

وكما أن أوباما سيختبر في القريب الحدود القصوى وقدرته وقدرة حزبه على فرض تغيير كاسح في الولايات المتحدة، فإن القيادة اليابانية الجديدة ستواجه تحديات غير متوقعة تقلل من شأن هامش المناورة المتاح لها. ويتعين على الحزب الديمقراطي الياباني أن يدرك الطبيعة الحقيقية لنتيجة الانتخابات، فهي في واقع الأمر ليست إلا رفضا حادا للحزب الليبرالي الديمقراطي..

ونتائج الانتخابات في جوهرها عكست تشككا جذريا من جانب الرأي العام في العديد من جوانب الطروحات الأيديولوجية للحزب الديمقراطي الياباني. ويفتقر هاتوياما إلى الكاريزما والجاذبية الشخصية اللتين ساعدتا رئيس الوزراء الأسبق جونشيرو كويوزومي على تحديد جدول أعمال واضح، عندما تولى السلطة عام 2001.

وإذا كان الحزب الديمقراطي الياباني قد حصل على أي تفويض واضح من الرأي العام، فإن هذا التفويض ينصب على استعادة ثقة الرأي العام في قدرة الحكومة على إنجاز ما هو مطلوب منها.

ومشكلة الحزب الديمقراطي الياباني الثانية، هي أنه لا يمكنه أن يحكم منفردا. فعلى الرغم من أنه فاز بأغلبية الثلثين في مقاعد المجلس الأدنى في البرلمان، إلا أنه ظل بحاجة إلى شريك في تحالف يبني من خلاله أغلبية قادرة على العمل والتنفيذ في المجلس الأعلى للبرلمان.

والديمقراطيون في أميركا لا يشغلون بالفعل 60 مقعدا في مجلس الشيوخ، ولكن لديهم قدرات تشريعية أكبر بكثير من تلك التي يمكن للحزب الديمقراطي الياباني أن يزعم أنه يمتلكها، وهذه المشكلة ستفرض على الحزب نوعا من الحل الوسط السياسي، على الأقل حتى الصيف المقبل.. وهو التوقيت الذي يأمل الحزب الديمقراطي الياباني أن يسيطر فيه على المجلس الأعلى للبرلمان.

ولتسهيل الأعباء المالية الملقاة على كاهل العائلات اليابانية، اقترح هاتوياما خطة تقضي بأن يدفع للآباء 275 دولارا شهريا، عن كل طفل في سن ما قبل المراهقة. والدولة اليابانية تدفع بالفعل 3700 دولار عن كل طفل يولد.

وفيما يتعلق بالسياسة الخارجية، فإن المخاوف في واشنطن من أن الحكومة اليابانية التي يقودها الحزب الديمقراطي ستقلص التحالف الأمني الأميركي الياباني، هي مخاوف مبالغ فيها. والاختبار الأول سيجيء مع قيام الحكومة اليابانية الجديدة باتخاذ قرار حول ما إذا كانت ستجدد اتفاقية بين الجانبين سينتهي العمل بها في يناير المقبل لتستمر سارية، مع قيام اليابان بإعادة تزويد السفن الحربية الأميركية في المحيط الهندي بالوقود.

وكان هاتوياما قد أكد للناخبين في حملته الانتخابية، أن هذه الاتفاقية لن يتم تجديد العمل بها، وأن اليابان ستجد طريقة أخرى لدعم المجهود الحربي الذي تقوده الولايات المتحدة في أفغانستان، وهو بذلك قد وضع نفسه أمام خيارات صعبة. ومع احتدام القتال في أفغانستان، فإن اليابان ستشهد تراجعا في تأييد أي خطة لوضع عناصر يابانية غير محاربة في مواجهة الخطر هناك.

وإذا اكتفت الحكومة اليابانية الجديدة بتحرير شيك لصالح واشنطن، فإنها ستواجه موجة الانتقادات ذاتها في الولايات المتحدة التي أعقبت قرارا مماثلا خلال حرب الخليج في أوائل التسعينات. أما إذا غيّر هاتوياما موقفه وقام بتجديد اتفاقية إعادة إمداد السفن الحربية الأميركية بالوقود، فإنه سيفقد جانبا كبيرا من التأييد الذي يحتاجه من أطراف التحالف في الحزب الديمقراطي الاجتماعي الياباني.

ومن شأن بيروقراطية تتسم بالعناد، ووزارة خارجية ضعيفة، ووجود أصوات قوية ومستقلة محدودة لتقديم النصيحة السليمة.. أن يقلل من قدرة هاتوياما على إحداث نقلة في السياسة الخارجية اليابانية، وبصفة خاصة مع استقطاب المشكلات الداخلية لمعظم اهتمام الحكومة الجديدة.

وبينما تعمل القيادة اليابانية الجديدة على ترسيخ أقدامها، فإنه يحتمل أن تواجه نقدا يمكن أن يدركه أوباما..

وهو أن الحزب الديمقراطي الياباني يسير في الطريق السياسي الأقل احتواء على عناصر المقاومة. ولكن إذا كان بمقدور هاتوياما أن يجعل عملية اتخاذ القرار في الدولة اليابانية ذات طابع مركزي صارم، وأن يعهد بالمناصب الأساسية في الحكومة لمحترفين لمّاحين وعلى جانب كبير من الكفاءة، ويعتمد ميزانية تتسم بالمصداقية.. فإنه سيكون قد قدم للناخبين جانبا كبيرا مما يريدونه.

وعندما تكون الظروف صعبة، فإنه ما من شيء يقلب نتائج الانتخابات رأسا على عقب، قدر الوعود بالتغيير. ولكن كما اكتشف أوباما في الولايات المتحدة، فإن الحكومة اليابانية الجديدة ليست بحاجة للسماح لما هو مميز بأن يصبح عدوا لما هو جيد.

رئيس مجموعة «يوراشيا» للاستشارات السياسية

opinion@albayan.ae