ما تمخض عنه اجتماع جنيف في الأول من أكتوبر الحالي بين الدول الست وإيران، وما برز عن اجتماع فيينا الأسبوع الماضي بين مندوبي كل من الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وإيران، الذي عقد في مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية، يشير بوضوح إلى الرغبة في العودة إلى الحل الوسط، كأفضل خيار لوضع حد لحالة التوتر القائمة بين المجتمع الدولي وإيران حول برنامج الأخيرة النووي.
الحل الوسط هو معادلة تسوية سلمية توصل إليها مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية الدكتور محمد البرادعي في فبراير 2006 مع الإيرانيين، وتقضي بأن تتخلى إيران عن التخصيب العالي لليورانيوم المتوفر لديها وتبقي تخصيبها المحدود والمنخفض المستوى، مقابل أن تقوم روسيا بتزويد إيران باليورانيوم عالي التخصيب.
هذا الحل الوسط الذي أعلنت إيران عن إمكانية الموافقة عليه في ذلك الحين، رفضته إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن، الأمر الذي أدى إلى سقوط فرصة تحقيق هذه المعادلة واستمرار إيران في التخصيب.
اليوم تعود الدول الكبرى من جديد إلى الحل الوسط، ولكن بصيغة قد تكون أكثر ملاءمة من الصيغة الأولى، حيث إن الحل الوسط الحالي الذي انبثق عن اجتماع فيينا الأخير، يدعو إيران إلى إرسال النسبة الأكبر من اليورانيوم منخفض التخصيب لديها إلى روسيا لتخصيبه بمستويات عالية، ومن ثم تحويله ربما إلى فرنسا لتطويره إلى تكنولوجيا الاستخدام الطبي.
هذا التطور في المواقف الدولية تجاه التعامل مع الملف النووي، جاء من منطلقات مختلفة يحملها كل طرف ذي صلة بالموضوع. فالولايات المتحدة أرادت أن تضع حدا للبرنامج النووي الإيراني المشكوك فيه، من خلال ربطه بمنظومة تعاون دولي قوية يصعب التنصل منها، وهي منظومة الإشراف الدولي المتمثلة بالوكالة الدولية للطاقة الذرية والحضور الدولي من قبل الدول الكبرى.
فالولايات المتحدة لا تود أن تقدم الذريعة لإيران كي تنتج السلاح النووي، ولا تود أن تصل إلى مرحلة الخيار العسكري، لذلك فإن معادلة الحل الوسط هي أفضل الخيارات الأميركية للوقت الراهن على أقل تقدير.
روسيا من جانبها لا تود أن تفقد شريكا اقتصاديا كبيرا كإيران، لذلك فهي تدعم مثل هذا الحل في سبيل المحافظة على مكاسبها الاقتصادية في ذلك البلد أكثر من أي شي آخر. أما إيران فإن هناك ثلاثة منطلقات هامة جعلت قيادتها تميل إلى فكرة الحل الوسط دون غيرها من الأفكار، وهي:
أولاً، الرغبة في إبعاد شبح الضربة العسكرية عن منشآتها النووية، حيث إن مثل هذه الضربة قد تعيد إيران إلى دائرة الصفر وتجعل ما تحقق من انجازات نووية يذهب سدى، وبالتالي تكون إيران بعدها بحاجة إلى فترة زمنية ليست قصيرة حتى تتمكن من استعادة ما حققته من معرفة علمية نووية.
فهناك حاجة للمحافظة على المكتسبات العلمية التي تحققت للإيرانيين في هذا المجال، لضمان استمرارية البرنامج وأن لا يصبح مصيره كمصير البرنامج النووي العراقي الذي بعد أن تم تدميره في بداية الثمانينات لم يتمكن على الإطلاق من العودة إلى مستوياته السابقة.
ثانياً، إبعاد فرص فرض عقوبات إضافية مشددة من شأنها أن تلحق الضرر بالاقتصاد الإيراني، الذي سيتضرر من خلاله المواطن الإيراني ويخلق بالتالي ضغطاً شعبياً على النظام السياسي باعتباره المسؤول عن حالة التردي الاقتصادي لحال المواطن الإيراني، لا سيما عند الحديث عن فرض عقوبات في مجال البنزين المستورد الذي تعتمد إيران عليه بنسبة 40% لاحتياجات استهلاكها الداخلي.
ثالثاً، إدراك القيادة الإيرانية لأهمية امتلاك إيران المعرفة النووية لإنتاج المواد المساعدة على الوصول إلى السلاح النووي. فإيران اليوم لديها المعرفة العلمية، وكل ما تحتاجه هو مزيد من الوقت لتصبح دولة نووية في المجال العسكري.
لذلك فإن القيادة الإيرانية تحرص على المحافظة على هذه المعرفة، أكثر من الحصول على السلاح النووي الذي قد لا يكون هو هدفها في الوقت الراهن، بقدر ما ترغب في المحافظة على المعرفة العلمية في المجال النووي والتخصيب المستمر لليورانيوم، لتطوير أسلحة نووية في الوقت المناسب.
معادلة الحل الوسط لا تعني على الإطلاق أن إيران ستتخلى عن برنامجها النووي وعن طموحاتها التي تحملها أجندة قيادتها السياسية والعسكرية، وإنما هي إجراء من أجل بناء الثقة بين الأطراف، كي تعمل إيران نحو مزيد من التعهدات ومزيد من الشفافية في مجال التعاون مع المجتمع الدولي حول برنامجها النووي، لا سيما حث إيران على المصادقة على البروتوكول الإضافي والتوقيع والمصادقة على معاهدة منع التجارب النووية.
وهذه العملية ليست عملية يمكن أن تأتي نتائجها سريعة، ولكنها تتطلب حنكة دبلوماسية وتتطلب أيضاً مساومات تكون الدول الكبرى، لا سيما الولايات المتحدة، مستعدة من خلالها لتقديم بعض التنازلات في بعض المجالات، أو بعض المحفزات لإيران لجعلها تنشط في هذا المجال، أي أنها تتطلب إبعاد سياسة الاحتواء واستبدالها بسياسة الانخراط، من أجل ضمان بقاء إيران بعيدة عن السلاح النووي.
جامعة الإمارات
