تقول الإدارة الأميركية إنها تتوقع من حكومة السودان «إرساء الأمن على الأرض في دارفور وتطبيق وقف لإطلاق النار».
هذا القول ينطوي على سوء نية، لأنه يعكس تجاهلا متعمدا أولا لما اتخذته الحكومة من تدابير وإجراءات عملية لإحلال السلام. فقد أنجزت كافة التسهيلات اللازمة لاستضافة قوات الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة، بشهادة من المنظمتين، ووفرت كل ما تستطيع توفيره من مستلزمات لوجستية. ثم إنها بذلت جهودا جادة صوب الحوار والتفاوض السلمي مع الحركات المسلحة، بما في ذلك التجاوب الكامل مع مبادرات الوساطة وفي مقدمتها المبادرة القطرية.
وسوء النية الأميركية يتجلى أكثر في أن كافة البيانات الخاصة بالسياسة الأميركية الجديدة، لا تأتي إطلاقا على ذكر مباشر أو غير مباشر للحركات الدارفورية المسلحة، مع تحميل الطرف الحكومي كل ما جرى ويجري في الإقليم. فالحكومة السودانية مطالبة وحدها «بوضع حد نهائي للنزاع».
لكن الإدارة الأميركية إذ تطالب بذلك، فإنها تتحاشى التعرض لحقيقة أن طبيعة النزاع قد تغيرت. فعلى مدى العامين الأخيرين تشرذمت وتشظت الحركات المسلحة، فتحولت إلى ما يربو على ثلاثين جماعة مسلحة لا تمارس سوى عمليات النهب والسلب.. وهي عمليات تستهدف بالدرجة الأولى قوات حفظ السلام وممتلكاتها ومعداتها.
وهكذا تغيرت طبيعة النزاع، بعد أن تحولت الحركات المسلحة إلى عصابات إجرامية، عوضا عن منظمات مطلبية سياسية. هذه هي الحقيقة التي لا تريد إدارة أوباما استذكارها.
ومن المفارقات أن الإدارة الأميركية في سياق السياسة الجديدة، تتهم الحكومة السودانية بانتهاك حقوق الإنسان في دارفور. فالاتهام فوق بطلانه، يتزامن مع معارضة الولايات المتحدة لتقرير القاضي ريتشارد غولدستون، الذي يدمغ بالشواهد الملموسة والموثقة إسرائيل والفظائع التي ارتكبتها في حق أهل قطاع غزة، مما صنفه القاضي الدولي تحت بند جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
ونعود إلى السؤال المطروح: بأي حق تنصب الولايات المتحدة نفسها وصيا على السودان الإجابة تتضح إذا أخذنا في الاعتبار حال واشنطن أيضا مع سوريا وإيران وفنزويلا وتركيا أردوغان. فمثل هذه الدول مصنفة أميركيا كأعداء، لا لسبب إلا لأنها تتخذ لنفسها نهجا استقلاليا في ساحة العلاقات الدولية، انطلاقا من رفضها للهيمنة العالمية الأميركية غير المبررة شرعا.