يمرّ أسبوع آخر ولبنان بدون حكومة جديدة. أزمة التشكيل، تدخل شهرها الخامس. فترة عاشها البلد، بين هبّة باردة وهبّة ساخنة، خاصة في الآونة الأخيرة. تأرجح محبط ومنهك. يوم تطغى عليه أجواء التفاؤل.

ويوم آخر، تعود معه المساعي إلى التعثر. ما إن تنكشح غيوم التعقيدات والتداخلات، حتى ترجع تتلبّد من جديد. اختلطت الإشاعة بالواقع. صارت العملية أشبه باللغز. الأخطر، أن التأخير بهذه الصورة، يزيد من تآكل العملية السياسية وضمور الثقة؛ على الصعيد الداخلي. لاسيما وأن الأسباب غير معلومة على حقيقتها.

السائد أنها مزيج من الصعوبات المحلية والتأثيرات الخارجية. لكن ما يضاعف الحيرة، أن أطراف الداخل، على اختلاف مواقعها، تتحدث تقريباً بلغة واحدة، لجهة رغبتها ومطالبتها بالإسراع في تأليف الحكومة. تبدي تعاونها وحرصها الشديدين، في هذا الخصوص. وهكذا هي الرغبات الخارجية المؤثرة. على الأقل المرئي والمسموع، منها.

مع ذلك تواصل جهود تركيب الحكومة دورانها، في الحلقة إياها. يزيد من القلق، أن التأجيل يتوالى، فيما المحيط الإقليمي يتقلّب على صفيح ساخن. الوضع الداخلي، هو الآخر، مهدّد بالمزيد من الاحتقان. كلما طال أمد التأخير، كلما ارتفع منسوب هذا الأخير؛ ولو أن الساحة، إجمالاً، يسودها الهدوء حتى الآن. الأحداث الأمنية الأخيرة، كانت إشارة واضحة؛ على مدى هشاشة الوضع وسرعة عطبه.

وزير الخارجية الفرنسي الذي زار بيروت، أمس الأول، كان تحذيره في محله؛ عندما قال إن أمام اللبنانيين «تحدّي أمن لبنان ووحدته وحريته». بدون مواجهة هذا التحدّي، فإن البلد مهدّد في الصميم.

وهنا بيت القصيد. صحيح أن المعادلة اللبنانية تتداخل فيها حسابات واعتبارات خارجية. فذلك ليس سرّاً. لكن الخارج، في هذه اللحظة، ينظر في احتمالات إعادة تموضع واعتماد مقاربات أخرى. وبصرف النظر عن الحال التي سوف تستقر عليها خياراته، إلاّ أن من شأن ذلك توفير فرصة أمام اللبنانيين لتعزيز خياراتهم المحلية؛ التي لا بدّ وأن يصار إلى ترجيح كفتها.

بالنهاية، المطلوب هو تأليف حكومة كل اللبنانيين. حكومة صار قيامها ضرورة، لا تحتّمها الحاجة إلى تسيير شؤون البلد فحسب؛ بل يقتضيها أيضاً، وهذا هو الأهم، الخروج بالبلد من حالة الفراغ المفتوح على الزمن وبالتالي على مخاطر التدهور؛ سواء بحكم تطورات المنطقة أم تأزمات الداخل.

لقد طال أمد مكوث لبنان في غرفة العناية الفائقة. لا ظروفه، بعد كل هذه المدة التي قطعتها المشاورات والمحاولات؛ ولا ظروف المحيط، قادرة على قبول المزيد من التمديد والترحيل. لقد حانت لحظة الإفراج عنه وإخراجه إلى الحياة الطبيعية. في ذلك خير للداخل وللمنطقة.