في 12 أكتوبر الجاري، نشرت صحيفة «ذي اندبندنت» البريطانية تحقيقا لأحد محرريها، يعلق فيه على فيلم تسجيلي جديد يعيد جذور الإرهاب إلى القرن التاسع عشر.

وتحت هذا العنوان «دم وغيظ وتاريخ: أول إرهابيِّي العالم»، يتحدث المحرر جوهان هاري عن فيلم وثائقي تلفزيوني جديد يكشف بالوقائع والتفاصيل كيف أن حركة «الفوضويون ـ الأناركيست» التي ظهرت وانتشرت في القرن التاسع عشر، هي أول من مارس الإرهاب ونشره في العالم.

يقول هاري في مقاله: «نحن نفكر بالمدرسة الجهادية كابتكار عصري جديد، لكن هنالك فيلما جديدا هاما يكشف كيف كانت الحركة الفوضوية في القرن التاسع عشر على نفس القدر من العدمية، وعلى نفس القدر من الفتك والقتل». (موقع «بي.بي.سي» على الانترنت www.bbc.co.uk).

وفيما يجهد من يطلق عليهم «خبراء الإرهاب» في البحث في أصول «الجهاد» وراحوا ينقبون الكتب والمراجع القديمة إلى أن وصلوا إلى حقبة الحروب الصليبية، استخرجوا من تلك المراجع مقولات لبعض من رجال الدين تحض على جهاد الصليبيين واعتبروها مرجعية لإرهاب تنظيم القاعدة. وراح بعضهم أيضا يستذكر الحشاشين ويعيد التأكيد على أن مفردة « assassination التي دخلت إلى لغات أوروبا، إنما هي تحريف لاتيني لذلك الاسم المرعب.. «الحشاشون».

لكن مهلا.. ألم ننس أحداً؟ يبدو أن الذاكرة انتقائية هنا، فحتى الآن ما زال المتدينون اليهود والمستوطنون، لا يدفعون أيا من الخبراء والأكاديميين الأميركيين والغربيين للتوقف والتعامل بعمق مع واحد من أهم المصادر الرئيسية للإرهاب الذي يضرب العالم. إن إرهاب المستوطنين والمتشددين اليهود محصور في الأرض المحتلة، لكن إذا اتفقنا على تعريف الإرهاب بأنه «استهداف للمدنيين»، فإن المستوطنين اليهود هم في قائمة الإرهاب العالمية.

إن الإرهاب الذي يمارسه المستوطنون اليهود هو عدوان مدبر ومقصود بحد ذاته. يقتلون المدنيين الفلسطينيين، يحتلون الأراضي ويقيمون المستوطنات عنوة وقسرا، يحرقون منازل الفلسطينيين ويدمرون أشجار الزيتون وحقول المزارعين الفلسطينيين، فماذا تبقى من عناصر تعريف الإرهاب لكي تنطبق على ما يقوم به المستوطنون المتشددون اليهود؟

مع هذا، لا يستوقف كل هذا الذي يقوم به المتشددون اليهود والمستوطنون أي خبير أو أكاديمي أميركي أو غربي، ويتم التعامل معه وكأنه أمر طبيعي، بل لا تثير جرائمهم أي رد فعل أبعد مما تثيره نشرة أحوال جوية في محطة تلفزيونية.

من الجرائم التي يرتكبها المستوطنون بدم بارد، مثل مجزرة الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل بالضفة الغربية في التسعينات، إلى تجريف حقوق الفلاحين الفلسطينيين والاعتداء عليهم بالأسلحة، بقي المتدينون اليهود والمستوطنون خارج دائرة اهتمام خبراء الإرهاب. فلا أحد من هؤلاء التزم في يوم بما تقتضيه أخلاقيات البحث العلمي، وتعامل معهم باعتبارهم أخطر مصدر لصناعة الإرهاب.

لا يكفي القول إن عنف المستوطنين وإرهابهم محصور داخل الأراضي المحتلة لكي يتم التهوين من خطرهم وتأثيرهم المدمر، على العكس من «إرهاب الجهادية الإسلامية» الذي يضرب في كل مكان في العالم. فإذا كان أساس وجود هؤلاء المستوطنين هو الاحتلال، فإن أفعالهم أصبحت تفوق في تأثيرها بمرات مضاعفة ما يقوم به الاحتلال، ومسؤوليتهم أشد وضوحا.

فهؤلاء يأتون من كل أنحاء العالم إلى ارض ليست لهم ويحتلونها بالقوة، ويحظون بحماية الجيش الإسرائيلي الذي لا يبخل عليهم بالأسلحة والعتاد. يقتلون الفلسطينيين ويستولون على أراضيهم، يحرقون الأشجار والمزروعات (لأنها تذكرهم بأن الأرض ليست لهم) ويتحدون أي حكومة إسرائيلية، حتى لو مارست خداعا سياسيا بإجلاء عشرات منهم مما تسميه «مستوطنات عشوائية».

إن هاري يعرض في تحقيقه المنشور في «الاندبندنت» لأوجه التشابه بين «الحركة الفوضوية» في القرن التاسع عشر و«الجهادية الإسلامية» المعاصرة، ليكتشف أوجه تشابه كبيرة بين الحركتين، إن في الدوافع أو حتى الكلمات المتشابهة للتعبير عن الغضب.

لكن إرهابيي القرن التاسع عشر (الفوضويين) «كل ما ربط بينهم هو هذا الحقد المشترك على الوضع القائم الذي همّش قسماً كبيراً من المجتمع»، مثلما يرى ريك كولسات الأستاذ في جامعة غاند في بلجيكا ومؤلف كتاب «أسطورة القاعدة». (راجع: ريك كولسات: «زمن الإرهاب الفوضوي»، لوموند ديبلوماتيك، سبتمبر 2004).

والتشابه الذي يرصده هاري في «الاندبندنت» بين الجهاديين الإسلاميين وأسلافهم من فوضويي القرن التاسع عشر، يجد تفسيره لدى كولسات الذي يرى «أن وجه الشبه بين الإرهاب المعاصر وسلفه الفوضوي، يعود بشكل أساسي إلى السبب المشترك لقيامهما.

ففي العالم أجمع يشعر المسلمون بالاستياء والتأزم موحدين في الإحساس نفسه. فبالمقارنة مع ثمانينات القرن الماضي، يبدو العالم العربي أكثر اشمئزازاً وأكثر مرارة وأقل إبداعاً، والشعور بالتضامن مع سائر المسلمين يعود أيضاً إلى النظرة الواحدة إلى الخطر الذي يتهدد الإسلام».

وإذا سايرنا هذا التفسير، فإن على خبراء الإرهاب الأميركيين والغربيين أن يتفضلوا ويشرحوا لنا توصيفهم لما يقوم به المتدينون اليهود والمستوطنون في الأراضي المحتلة. ربما يحتاج هؤلاء للتذكير بأن مأساة الشعب الفلسطيني، تمثل المحرك التاريخي والأهم لمشاعر المهانة التي يشعر بها العرب والمسلمون.

وهنا بالضبط يمكن البحث عن التوصيف الأفضل للدور الكبير الذي يلعبه المتدينون والمستوطنون اليهود، الذين يأتي إرهابهم فائضا إضافيا لإرهاب الدولة اليهودية. فالمتدينون اليهود والمستوطنون لا يفعلون عمليا سوى أن يقضوا على أي بارقة أمل لدى الفلسطينيين..

فأي سلام ذاك الذي يتحدثون عنه، طالما أن هناك من يمارس الإرهاب المدبر لإذلال شعب آخر والاستيلاء على أرضه ومياهه، ويصادر مستقبله ويجعله قابعا في مستنقع اليأس؟!

كاتب وصحافي بحريني

mfadhel@batelco.com.bh