السؤال الأكبر والأعظم الذي ينبغي أن يطرح ابتداء، هو: بأي حق تنصب الولايات المتحدة نفسها وصيا على السودان وأهله؟ لقد أعلنت إدارة أوباما ما أطلقت عليه «سياسة أميركية جديدة» تجاه السودان ومآلات قضاياه الداخلية. ومع استهجاننا لهذا الفضول، فإن هذا الاستهجان لا ينبغي أن يمنعنا من تشخيص العناصر الأساسية لهذه السياسة «الجديدة».

أولى الملاحظات تتمثل في أن داخل الإدارة الأميركية فريقين مختصمين بشأن السودان: فريق «الجزرة» بقيادة سكوت غريشن المبعوث الرئاسي إلى السودان، وفريق «العصا» بزعامة سوزان رايس التي تشغل حاليا منصب المندوب الدائم للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة.

ومن الواضح أن البيانات والتصريحات الصادرة عن الإدارة في هذا الصدد، تعكس صيغة وسطية للتوفيق بين موقفي الفريقين. ومن هنا كانت الكلمتان المحوريتان في هذه الصيغة التوافقية، هما «الحوافز» كناية عن الجزرة، و«التهديد» كناية عن العصا.

ولفهم المسار التي ستكون عليه علاقة الولايات المتحدة مع السودان في المرحلة المقبلة، فإن علينا أن نستحضر في أذهاننا على الدوام هذا التناقض الثنائي.

مشكلة دارفور تحظى بالقسط الأعظم في مرتكزات وتفاصيل السياسة الأميركية المعلنة الجديدة. وأول ما يلاحظ في هذا الخصوص إصرار الإدارة الأميركية على أن ما يجري في الإقليم، هو عملية «إبادة» تتحمل مسؤوليتها الحكومة المركزية.

هذا الإصرار غريب: أولا، لأن المبعوث الرئاسي غريشن نفسه أعلن للعالم بعد زيارات ميدانية واتصالات عديدة، أنه لا وجود لإبادة. وثانيا، لأن قضاة المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، شطبوا تهمة الإبادة من بنود الاتهام الذي تقدم به مدعي عام المحكمة لويس أوكامبو.

لكن إذا عرف السبب بطل العجب. فالفريق الأميركي المتشدد ضد السودان بزعامة سوزان رايس، يتكون من منظمات يهودية صهيونية هي التي تضغط على الإدارة للتمسك بتهمة الإبادة رغم بطلانها قضائيا. هذه المنظمات تتقدمها اثنتان: «شبكة التدخل من أجل الإبادة» بقيادة سام بيل، ومنظمة «ائتلاف إنقاذ دارفور» برئاسة جيري فاولر.

في بيان رسمي صادر عن البيت الأبيض، قالت الإدارة الأميركية: «إذا تحركت حكومة السودان لتحسين الوضع على الأرض في دارفور ودفع السلام فستقدم لها حوافز، وإذا لم تفعل ذلك فسوف تتعرض لمزيد من الضغوط من الولايات المتحدة والمجتمع الدولي». ولكن، ما هو بالضبط المطلوب من الحكومة السودانية تفصيلا، وتحديدا على صعيد الخطوات العملية؟

opinion@albayan.ae