اختلفت كثيراً ردود الفعل على منح باراك أوباما جائزة نوبل للسلام، بين الأميركيين والأوروبيين. «المحافظون الأميركيون المتشددون قرروا سحل باراك أوباما»؛ هذا هو العنوان الذي اختارته مجلّة فرنسية كبرى مثل «نوفيل اوبسرفاتور» لموضوعها عن الولايات المتحدة في عددها الأخير. بالطبع «سحله معنويا».
لكن لم يتردد جوي ويلسون في أن يصرخ بأعلى صوته «أنت تكذب»، عندما كان الرئيس الأميركي يلقي خطابا أمام الكونغرس. لقد خرق هذا السناتور المحافظ كل القواعد المرعيّة، وقام بما يشبه «العصيان المدني» حسب تعبير زميل له.
ويذهب بعض المحافظين المتشددين إلى حد القول إن أوباما قد لا يكون من مواليد الولايات المتحدة، وبالتالي لا يحق له أن يُنتخب رئيسا للبلاد، حسب بنود الدستور.
ويقال في أميركا إن أوباما حصل على هذا الانتصار ـ جائزة نوبل ـ دون أيّة معركة، بل وب«التواطؤ» الأوروبي. ولم تجد الجائزة من يحتفل بها كثيرا على الصعيد الأميركي عامة. بعض «عيّنات» الصحافة الأميركية قد تعكس جيّدا ذلك. لقد أعلنت «الواشنطن بوست» أنّها كانت تفضّل منح الجائزة، كتكريم بعد الموت، للشابّة الإيرانية «ندا» التي قُتلت أثناء المظاهرات في طهران.
واعتبرت «لوس انجلوس تايمز» أن اختيار أوباما «مربك بالنسبة لشرف» نوبل الذي خسر أكثر مما ربح من ذلك الخيار. وذهبت تعليقات عديدة في اتجاه القول إن هذه «الهديّة المسمومة» قد تزيد الهوّة بين أميركا المحافظة، وبين أوروبا التي أرادت من خلال الجائزة توجيه صفعة لجورج دبليو بوش، الذي لم يكن يحمل أوروبا في قلبه.
على الجانب الأوروبي، وأبعد من الإشارات المتكررة أنه من المبكّر كثيرا منح رئيس جائزة نوبل بعد شهور قليلة من منصبه ودون أن يحقق انتصارا «سلميا» مشهودا، يتم التأكيد على أن أوباما ليس من أنصار نزعة السلم بالمعنى المطلق، وهو قد أعلن مرّات ومرّات أن بعض الحروب مشروعة. هذا ما اختزلته مجلة «لوبوان» الفرنسية بعنوان: «أوباما، نوبل للسلام وقائد حربي».
صحيح أن أوباما قد اختار نهج «اليد الممدودة»، خلافا للإدارة السابقة، لكنه لا يزال، كما يشير البعض، في بداية طريق دبلوماسي لا يبدو أنه قد تقدّم فيه. لقد تراجع بالأحرى، مثلما يبيّن بجلاء الانتقال من الالتزام الصارم بالسلام في الشرق الأوسط أثناء خطابه في جامعة القاهرة قبل أشهر قليلة، إلى الانضواء عمليا في النهج الأميركي التقليدي في ظل مختلف الإدارات السابقة، الداعي للأطراف المعنيّة بالدخول في مفاوضات.
ويرى الاتجاه الأوروبي السائد، في منح جائزة نوبل لأوباما تغيرا في معنى الجائزة ومضمونها. ذلك أنها لم تعد مكافأة على عمل، ولكن «نداءً للعمل». وهكذا كان قد رآها الفائز بها أيضا. وليست قليلة هي الآراء التي ترددت في التحليلات الأوروبية واعتبرت أنها «جائزة الأمل»، كما جاء في عنوان افتتاحية إحدى المجلاّت الفرنسية الكبرى.
المغزى العميق لمنح أوباما الجائزة، اعتبره كُثر هنا هو التأكيد على المصالحة بين البيض والسود في الولايات المتحدة. مثل هذه المصالحة كانت خارج كل القواميس قبل عدّة عقود قليلة من الزمن. «السيّد أوباما، إنكم تجسّدون أميركا ما بعد العنصرية، فحاولوا أن تفعلوا في العالم ما فعلتم في أميركا، وأن ترسوا فيه أسس كوكب ما بعد عنصري هو الآخر ويسوده الهدوء»؛ هكذا جاء في الرسالة التي وجهّتها لجنة نوبل لأوباما.
وبهذا المعنى أيضا يجري اعتبار الجائزة وكأنها موجّهة للشعب الأميركي بأكمله. ومجرّد انتخاب الأميركيين لأسود رئيسا لهم، يشكّل دعوة للمصالحات من كل الأنواع بين من فرّقتهم مساراتهم التاريخية ووضعتهم في أحيان كثيرة في مواجهات دموية وعمليات «سحل» حقيقية، وليست معنوية كالتي يريد المحافظون الأميركيون المتشددون ممارستها ضد أوباما. بالطبع لا يزال هناك من يحنّون إلى زمن العبيد، لكن القفزة نوعيّة وتستحق جائزة نوبل.
الواضح أن هناك ميلا أوروبيا يتمثّل في محاولة تقديم أوباما «ابن أميركا أولا»، على أنه أيضا «ابن» أفكار عصر التنوير الأوروبي وقيمه الكونية التي ورثتها أوروبا وأميركا، والداعية للحريّة والتصالح بين البشر. وبالتالي يُراد تقديمه كرمز للعودة القويّة لهذه الأفكار، من البوّابة الأميركية هذه المرّة.
وتصبّ التحليلات الأوروبية في المحصّلة بالقول إن التحديات المطروحة على العالم اليوم، وفي مقدّمتها استقرار العراق وأفغانستان والسلام في الشرق الأوسط ومنع انتشار الأسلحة النووية، لا يمكن أن يواجهها رجل واحد ولو كان الرئيس الأميركي، ولا بدّ له بالتالي من شركاء، وأوّل هؤلاء الشركاء أوروبا. وهذا يعني في النتيجة تقاسم المسؤولية وتقاسم الزعامة أيضا.. وهكذا يتم «توظيف» جائزة نوبل أوباما بامتياز.
كاتب سوري ـ باريس
