وضع غير طبيعي وغير صحي عاشه ويعيشه الوسط الإعلامي المصري والجزائري منذ انتهاء مباراة الجزائر ورواندا، حيث تبين أن لقاء الشقيقين مصر والجزائر يوم 14 نوفمبر المقبل بالقاهرة، سيكون لقاء مصيريا ومهما إلى حد كبير، لتحديد المؤهل عن المجموعة الثالثة لنهائيات كأس العام 2010 بجنوب إفريقيا.
الوضع هذا تمثل في حملات إعلامية شرسة لا تمت بأية صلة لرسالة الإعلام الشريفة والنبيلة. فالإعلام هو صانع الرأي وموجه للآراء والأفكار ومشكل للصور التي تحدد السلوك والتصرفات. الإعلام هو الذي يؤسس للعلاقات الجيدة والأخوية بين الشعوب والأمم والدول، وهو في نفس الوقت الذي يثير الفتن والحروب والنزاعات.
هل التأهل إلى المونديال والولاء للمنتخب الوطني يعني ويتطلب التجريح والإهانات والإساءة للآخر؟ هل يعني الحقد والضغينة والكراهية والغل؟ فأخلاقيات الإعلام ومواثيق ممارسته في جميع أنحاء العالم وفي الأعراف والمواثيق الدولية، تنص على التحلي باللياقة والأخلاق والقيم الإنسانية النبيلة واحترام الآخر، بعيدا عن التجريح والقذف والتشويه والتضليل والتشهير والمساس بكرامة الآخر وبمعتقداته وديانته وإنسانيته.
ما وصل إليه بعض الوسائل الإعلامية وبعض الإعلاميين في الحرب الإعلامية والنفسية بين الجزائر ومصر، يجعلنا نتأسف للوضع الذي وصلنا إليه كعرب، والوضع الذي آل إليه الإعلام الذي من المفروض أن يكون مؤسسة تبني القيم السمحاء والتقاليد العريقة، وتغرس المبادئ الإيجابية في المجتمع من أجل النهوض به. إعلام يساهم في التنشئة الاجتماعية السليمة وفي نشر مبادئ المحبة والأخوة واحترام الآخر مهما اختلفنا معه.
فالعلاقات التاريخية بين مصر والجزائر لا تتوقف ولا تنتهي عند مباراة كرة قدم، فالمهم هنا هو أن أحد الفريقين سيمثل العرب في كأس العالم بجنوب إفريقيا، وهذا سيكون محل فخر واعتزاز لكلا الشعبين الجزائري والمصري، بل للشعوب العربية قاطبة. أما أن يأتي الصحفي ويشكك في نتيجة المباراة «س» أو «ج» ويجرح ويقذف في سمعة كرامة شعب وأمة وبلد بكامله من أجل مباراة كرة قدم، فهذا لا تقبله لا القيم والمبادئ الإسلامية، ولا أخلاقيات الإعلام ولا الضمير المهني للصحفي الذي يحترم نفسه ومهنته ومؤسسته وبلده.
فالعمل الإعلامي يقوم على المصداقية وعلى البصيرة والتبصر، وعلى المنطق والقيم الإنسانية وعلى النية السليمة الشريفة، وعلى الحقائق والأدلة والإحصائيات والأرقام والبيانات التي يتم التدقيق فيها والتأكد منها. أما «فبركة الواقع» والتحريف في أقوال الناس وكتابة أشياء مشوهة ومحرفة على ألسنة شخصيات، فهذا عمل ينبذه الضمير الصحفي وأخلاقيات ومبادئ الصحافة النزيهة والشريفة.
صحافيون يلبسون عباءة الصحافة ويتباهون بلقب صحفي، لكن مع الأسف الشديد المهنة بريئة منهم ولا علاقة لهم بها. فالمهنة تهدف إلى الكشف عن الحقيقة وتقديمها للرأي العام، فالصحافة ليست وسيلة لنشر الحقد والكراهية والضغينة وغيرها من الصفات السلبية التي تحطم ولا تبني، التي تهدم ولا تؤسس.
في نهاية المطاف يجب على الصحفي أن يسأل نفسه ماذا قدم للمجتمع من وراء رسالته الإعلامية؟ هل قدم شيئا؟ هل زرع الحقد والكراهية من خلال الأكاذيب والتلاسن والتطاول على الآخرين؟ هل قام بالتجريح والقذف والنيل من الآخرين دون حق؟ أم أنه قدم رسالة نبيلة شريفة هادفة تقوم على الأخلاق والقيم السمحاء وتدعو إلى المحبة والتآلف والتآخي.. رسالة تساهم في تقارب الشعوب وتفاهمها، وفي إيجاد مناج إيجابي حميمي يساعد على التفاعل المثمر والبناء؟!
هناك تاريخ بين مصر والجزائر وتاريخ بين الشعب المصري والشعب الجزائري، هناك عائلات تعد بالآلاف من أب جزائري وأم مصرية ومن أب مصري وأم جزائرية، وهناك استثمارات تعد بمليارات الدولارات بين البلدين، وهناك عمال وطلاب متواجدون في هذا البلد أو ذاك و، و، ...الخ.
فلماذا نتناسى هذه الأشياء الجميلة وهذه المكتسبات الرائعة؟ ولماذا لا نفكر في دعمها وتطويرها وتحسين وتطوير الإنجازات والعلاقات الثنائية الناجحة والمثمرة في مختلف المجالات والميادين من أجل مصلحة البلدين والشعبين؟ لكن بعض الزملاء، سامحهم الله، ركز على أشياء تمس بكرامة الآخرين وبحجم العلاقة بين بلدين من حجم مصر والجزائر. تصريحات وكتابات وتحليلات وتعليقات تافهة، لا علاقة لها بالعمل الإعلامي النزيه والموضوعي والمسؤول والملتزم، الذي يبني ويؤسس ويقدم رسالة نبيلة وشريفة للمجتمع ويساهم في بنائه وصيانته من الآفات والانحرافات.
مباراة مصر والجزائر مجرد مباراة في كرة القدم، مباراة رياضية، والرياضة حسب الأعراف والمواثيق الدولية هي وسيلة للتقارب والتعارف والتآخي بين الشعوب، وهي وسيلة للمنافسة الشريفة. وهناك دائما فائز وخاسر، أما الفوز فبطبيعة الحال هو للأحسن وللأفضل، فالفائز يجب أن يحترم الخاسر ويقدر جهوده ونواياه في المنافسة ومحاولة الفوز، أما الخاسر فعليه تقبل الخسارة واحترام الفائز وتقدير جهوده وتميزه.
وفي كلتا الحالتين يجب أن يسود الاحترام والمنافسة الشريفة والنزاهة والروح الرياضية. على الإعلاميين في البلدين التحلي بالروح الرياضية وأخلاقيات الصحافة، والابتعاد عن الحقد والكراهية والتوتر وإثارة الفتنة.
تجدر الإشارة في هذا المقام إلى أن الدنيا بخير، وهناك العقلاء والحكماء والمبصرون في البلدين الشقيقين مصر والجزائر. وخير دليل على ذلك مبادرة جريدة «الشروق» المصرية وجريدة «الشروق» الجزائرية، بدعوة الجميع للتحلي بأخلاقيات العمل الصحفي وبالمهنية والحرفية، والالتزام بالإعلام المسؤول والملتزم والنزيه، الذي يقوم على المصداقية ويبتعد عن إثارة الفتن والتشويه والتضليل والشتم والتجريح. المبادرة تهدف إلى نبذ التعصب والتطرف ومختلف أشكال العنف، والعمل على إقرار التهدئة والحكمة والتبصر.
وفي هذا السياق أكدت جريدة «الشروق» المصرية، أنها تقوم بهذه «الخطوة وسط هذا الكم من عبارات التحريض والتعصب التي تمتلئ بها مواقع ومنتديات كثيرة على شبكة الانترنيت»، وأنها بذلك إنما تؤدي «واجبها الإعلامي الذي ينبغي القيام به في مثل هذه الظروف، التي لا يمكن فيها سوى تقديم كل المساندة والتشجيع لمنتخب مصر الوطني المقبل على مهمة صعبة، مع توفير كل الاحترام في الوقت نفسه للأشقاء في الجزائر». فبالتوفيق والنجاح للأفضل، ودامت أواصر الصداقة والأخوة والمحبة بين مصر والجزائر وشعبيهما.
عميد كلية الاتصال، جامعة الشارقة
