لم يكد يمضي شهر واحد على انفراج أزمة الدرع الصاروخية الأميركية بين موسكو وواشنطن، بعد قرار الرئيس الأميركي أوباما منتصف سبتمبر بالتخلي عن نشر عناصر الدرع في بولندا وتشيكيا، ولم يكد العالم يتنفس الصعداء لهذه البادرة الطيبة من واشنطن في تحسين العلاقات مع روسيا، حتى ظهرت في الأفق بوادر أزمة جديدة تتعلق بهذه الدرع ربما تكون أصعب وأكثر تعقيدا من السابقة، حيث يدور الحديث الآن عن نشر عناصر لهذه الدرع على أراضي أوكرانيا، بمعنى أنه ليس فقط سيكون أقرب للحدود الروسية من بولندا وتشيكيا، ولكنه سيكون على أراضي أهم وأقرب دولة لروسيا.

في منتصف أكتوبر الجاري أعلن سفير أوكرانيا لدى الولايات المتحدة أوليغ شامشور في حديث للصحافيين في كييف، أن قضية احتمال استخدام محطات الرادار الأوكرانية في إطار برنامج الدرع الصاروخية الأميركية هي في طور المناقشة حاليا.

وكان الكسندر فيرشبو، وهو واحد من مساعدي الوزيرة الأميركية هيلاري كلينتون وسفير الولايات المتحدة لدى روسيا سابقا، قد أدلى بتصريح مثير قبل وصول كلينتون إلى موسكو، قال فيه إن واشنطن تبحث إمكانية وضع رادار تابع لمنظومتها الصاروخية الدفاعية المزمع إنشاؤها في أوروبا في الأراضي الأوكرانية، وقال فيرشبو إن الولايات المتحدة تنظر إلى أوكرانيا كساحة محتملة لنشر محطات رادار، في إطار الهيكلية الجديدة للدرع الصاروخية في أوروبا. ووصف وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف تصريح فيرشبو بأنه مفاجئ.

وعادت واشنطن تعزف نفس الاسطوانة المملة التي كانت تعزفها عن نشر عناصر الدرع في أراضي بولندا وتشيكيا، حيث قال ستيفن بايفر، سفير الولايات المتحدة لدى أوكرانيا سابقا، لصحيفة «ر ب ك ديلي» الروسية، ما معناه أن الرادار الأميركي الذي قد ينصب في الأراضي الأوكرانية لن يمثل تهديدا لأمن روسيا، فهذا الرادار لن يستطيع أن يرى صواريخ من الممكن أن تنطلق من الأراضي الروسية لأنه موجه نحو إيران.

الخبير الروسي سيرغي روغوف، رئيس معهد الدراسات الأميركية، علق على هذا الخبر قائلا إنه لا يمكن أن تستحسن روسيا وضع أي رادار أميركي قرب حدودها، وقال روغوف «من الواضح أن واشنطن لا تريد التخلي عن عادتها في اللعب بكل الأوراق في وقت واحد، وعلى ما يبدو أن إدارة باراك أوباما تضطر إلى الانحناء أمام الكرملين وأمام معارضي التقرب من روسيا على حد سواء».

على المستوى الرسمي داخل أوكرانيا، لم يؤكد الرئيس الأوكراني فيكتور يوشينكو هذا الأمر ولم ينفيه في نفس الوقت، بل قال إن كييف لم تتلق عرضا من واشنطن بشأن استخدام عناصر من الدرع الصاروخية في أراضيها. لكن يوشينكو أضاف قائلا «توجد لدى أوكرانيا في الوقت الحالي محطتان للرادارات في منطقة «سيفاستوبل» و«موكاتشيفو»، كانت روسيا تستخدمهما لمصلحتها حتى 12 فبراير 2008.

أما في الوقت الحاضر فباستطاعة أوكرانيا استخدامهما في مصلحة الإتحاد الأوروبي»، وأشار يوشينكو قائلاً: «نحن قلنا أثناء النقاشات بشأن الدرع الصاروخية في أوروبا، إن أوكرانيا ترغب في أن تجد لها مكاناً في نظام الأمن العالمي والأوروبي». وأضاف أنه من الممكن استخدام الرادارات الأوكرانية لمصلحة روسيا أو دول أخرى.

من الواضح أن الرئيس يوشينكو لا يريد أن يحسم الأمر، حتى لا يستغل خصومه الموقف ضده ويقوم عليه الشعب الأوكراني الذي يرفض تماما مضايقة الجارة الأم روسيا، التي يرتبط بها الشعب الأوكراني تاريخيا وعقائديا وثقافيا واقتصاديا.

وزير الخارجية الأوكراني الجديد بيوتر بوروشينكو، الذي صادق البرلمان على تعيينه في هذا المنصب منذ أيام قليلة، صرح في البرلمان أن نشر درع صاروخية أميركية في أوكرانيا غير قانوني وغير دستوري، وقال بوروشينكو إنه يجب أن تكون العلاقات بين أوكرانيا وروسيا متوازنة ومتبادلة النفع، وتعتمد على الاحترام المتبادل للسيادة. وأكد وزير الخارجية الأوكراني الجديد أن «روسيا، بالرغم من أن الاتجاه الأوروبي أساسي في سياسة أوكرانيا الخارجية، تعتبر أكبر وأهم شريك استراتيجي لبلدنا».

كاتب ومحلل سياسي أوكراني

vladi1949@mail