لا خلاف على أن سياسة أوباما أفضل لأميركا وللعالم من سياسة بوش، ولا شك أنه أعقل في تعامله مع العرب والمسلمين عن سابقه. ورغم الملاحظات والتحفظات على استراتيجيته الجديدة تجاه السودان، إلا أن الفارق كبير بين سياسته الحالية وسياسات بوش السابقة، من تهديد عسكري وتآمر استخباراتي وعقوبات وعزل وحصار وتدخل مباشر لتضخيم المشاكل وتفجير الأوضاع السودانية، وهي الأساليب الفاشلة التي اتبعها بوش وعزلت أميركا عن العالم كما جرت عليها غضب العالم.

كما لا خلاف على أن المبعوث الرئاسي لأوباما في السودان سكوت جريشن، أكثر فهما وموضوعية وشجاعة من السابقين في عهد بوش، عدا المبعوث ناتسيوس الذي استقال بعد سنة فقط من تعيينه لارتباك الإدارة الأميركية تجاه السودان، ولاحتجاج الخرطوم على تدخلات واشنطن، خاصة بكشف مبعوث بوش عن خطة أميركا لفصل جنوب السودان «سلميا» قبل وضع نهاية لمشكلة دارفور!

لكن أهم ما كشفه ناتسيوس بعد استقالته، هو اعترافه بفشل كل المساعي الأميركية لإسقاط النظام السوداني، وتأكيده أن الطريق الوحيد هو التفاهم مع الخرطوم، ودعوة واشنطن للتخلي عن خيار التدخل العسكري، وانتهاج سياسة الترغيب لا الترهيب مع السودان، لأن تفككه سيكون كارثة أمنية للدول التسع المجاورة للسودان.

وكان آخر المبعوثين لإدارة بوش هو ريتشارد وليامز الذي أوصل العلاقات الأميركية السودانية مع نهاية حكم بوش إلى نهايتها، وبدا تقريره محاولة جديدة لإلزام الرئيس أوباما باتخاذ سياسة العصا الغليظة مع السودان في شكل خطوات عقابية ضد الخرطوم، تشمل تدمير سلاح الجو السوداني ومنع تصدير بتروله وقطع خطوط الاتصالات والإنترنت، بجانب مد جنوب السودان بصواريخ لضرب أي طائرة سودانية في دارفور وتفتيش السفن القادمة إلى ميناء بور تسودان!!

غير أن أداء جريشن، مبعوث الرئيس أوباما، كان مختلفا عن سابقيه، وشكل نقطة تحول جوهرية في علاقات البلدين.. أولا، بتواضعه الجم وتأكيد احترامه للسودان وللرئيس البشير، وثانيا بالاستماع والاستيعاب، وثالثا بالعمل على عدة محاور أولها العلاقة بين شريكي حكومة الوحدة الوطنية، وثانيها حل مسألة «أبيي» بين الشمال والجنوب، وثالثها تحقيق اختراق في أزمة دارفور، بجهود مصرية وليبية وسودانية وأميركية.

لكن الاختراق الحقيقي للخطوط الأميركية الحمراء في أداء الجنرال جريشن، بعد استماعه وفهمه وموضوعيته، كان نفيه العلني لمزاعم الإبادة الجماعية في دارفور، وإعلانه أن اتهام السودان بدعم الإرهاب هو اتهام سياسي بلا دليل، مطالبا واشنطن برفع اسم السودان من القائمة السوداء.

ورغم الحملة الغوغائية الضخمة لابتزازه وللعودة لسياسة بوش، فإن الرجل وقف في وجه الكونجرس يؤكد مقولاته بشجاعة! من هنا ندرك خلفية صياغة الاستراتيجية الأميركية الجديدة التي أعلنتها الوزيرة هيلاري تجاه السودان مؤخرا، والتي لوحت بالجزرة والعصا، مما أثار تحفظات السودانيين والعرب الذين يقبلون الجزرة ولا يخافون العصا..

ويبدو أنها محاولة من أوباما للتوفيق بين سوء الفهم المتراجع وسوء النية المتواصل، ولعدم إغضاب أعداء السودان في إدارته، وفي الوقت نفسه عدم إهمال توصيات مبعوثه الرئاسي بسياسة متوازنة مع الخرطوم، بعيدا عن سياسات بوش الحمقاء التي لم تجر سوى المصائب على البلدين.. مشكلة أميركا مع السودان تنبع من الجهل الأميركي بطبيعة السودانيين، و«فوبيا الإسلام» لدى المحافظين، والحل هو في حسن النية وحسن الفهم الأميركي للإسلام وللسودان، وليس في العصا أو الجزرة!!

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com