من الوهلة الأولى يبدو التأزم الذي طرأ على علاقات تركيا مع إسرائيل، وكأنه أولا وليد أحداث عارضة، وكأنه ثانيا حالة عابرة قابلة للترميم.
لقد رأينا الحكومة التركية تقصي إسرائيل من مناورات جوية فوق الأجواء التركية، يشارك فيها الحلف الأطلسي الغربي. وبينما بررت أنقرة قرار الإقصاء بأنه يعكس احتجاجها على الحرب الإبادية التي شنتها القوات الإسرائيلية على أهل قطاع غزة، فإن الحكومة التركية سرعان ما أبرمت اتفاقا مع الحكومة السورية على إجراء مناورات عسكرية مشتركة. ورأينا من الناحية الأخرى إسرائيل تتقدم باحتجاج رسمي على مسلسل تلفزيوني تركي، يحكي في قالب درامي فظائع قوات الاحتلال الإسرائيلي في تعاملها مع الفلسطينيين في الأرض المحتلة.
هذه التطورات لها بالطبع دلالاتها. ولكن المسألة أشد عمقا، فهي تعكس تطورا استراتيجيا جذريا داخل تركيا ينتظم الشارع وسلطة الحكم معا، بحيث يمكن القول إن العالم يرى الآن «تركيا جديدة» تحل محل تركيا الأتاتوركية. رب ضارة نافعة. والضارة هنا هي تصلب الدول الأوروبية ضد دخول تركيا عضوية الاتحاد الأوروبي، من خلال مسلسل طويل من المماطلة.
عبر هذه المماطلة ظلت تركيا على مدى سنين عديدة، تطبق كل ما يطلب منها من شروط التأهيل للدخول في عضوية النادي الأوروبي، في مجالات إشاعة الحريات العامة واستقلال الجهاز القضائي والالتزام دستوريا بسيادة القانون. لكن هذا التحول الشامل أدى إلى نتيجتين:
أولا: أن انتشار الحريات أدى إلى انتعاش الحراك الشعبي في اتجاه إحياء الهوية الإسلامية الأصلية للشعب التركي.
وثانيا: أدى التطبيق الصارم لسيادة القانون إلى اضمحلال النفوذ السياسي للمؤسسة العسكرية.
وهكذا ومع تفاعل هذين العاملين عبر السنوات الأخيرة، أخذت «تركيا أتاتورك» تتلاشى مفسحة المجال لتركيا الإسلامية، مما يفسر لنا لماذا اكتسح «حزب العدالة والتنمية» بزعامة رجب طيب أردوغان الانتخابات العامة مرتين، بأغلبية غير مسبوقة على الإطلاق.
هذا التحول الداخلي الجسيم انعكس بطبيعة الحال على توجه تركيا الخارجي، وذلك بإدارة ظهرها للغرب وانفتاحها نحو الشرق انطلاقا من إرادة استقلالية راديكالية.
هكذا كان من المحتم أن تتفكك علاقة تركيا الاستراتيجية مع إسرائيل، وقد تضمر العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، مما قد يمهد لخروج تركيا من الحلف الأطلسي.
ولننتظر لنرى.