كلما اعتقدت أنني أنهيت تنميط المثقفين إذا بالحياة تواجهني بأنماط جديدة، وعلى ما يبدو أن تنميط المثقفين مسألة لا تنتهي؛ فهي ممتدة ومستمرة استمرار الحياة والتنوع البشري. وتختلف أنماط المثقفين من مجتمع لآخر ومن فترة زمنية لأخرى، وإن كان الشيء اللافت للنظر أن أنماط المثقفين العرب يتشابهون فيما بينهم بدرجة كبيرة، رغم اختلاف السياقات المجتمعية والتأثيرات السياسية والاقتصادية.

وعلينا هنا ألا ننسى أن المثقف في النهاية إنسان يشبه غيره من البشر في الكثير من السلوكيات والممارسات، لكن طبيعة مهنته وتخصصه تضفي عليه تميزا خاصا عن غيره من البشر العاديين، لذلك فإن سلوكياته وممارساته تصبح محط الأنظار أكثر من غيره من المحيطين به.

ومن بين أنماط المثقفين المنتشرة الآن بشكل كبير، نمط «المثقف الشكاء» الذي يتبرم من كل شيء ويشكو سوء أحواله والظروف التي يواجهها، لكل من يقابله. واللافت للنظر هنا أن هذه النوعية لا تعايش ظروفا مادية سيئة أو أحوالا وظيفية متردية، بل العكس هو الصحيح؛ فمستوى مكاسبها المادية في تصاعد، كما أن أحوالها الاجتماعية مستقرة وراسخة.

وتزداد هذه النوعية بدرجة كبيرة بين كبار السن من المثقفين الذين يشعرون بتقدمهم في السن، وربما عدم حصولهم على التقدير المعنوي الذي كانوا يحصلون عليه في فترات عمرية سابقة، مع الوضع في الاعتبار الطبيعة الشكاءة لكبار السن بشكل عام.

ويتسم هذا النوع من المثقفين بقدر كبير من الأنانية والغطرسة، وهي تظهر من خلال تقلباتهم السلوكية الواضحة وارتمائهم وراء كل ما يحقق مصالحهم من ناحية، أو من يتقبل شكاواهم ويدغدغ مشاعرهم وأحاسيسهم بكلمات القبول والمدح. ويجد هذا النوع من المثقفين فرصته في السياق العربي الذي يقبل بدرجة كبيرة بثقافة الشكاية والمظلمة، خصوصا إذا ما برع الشاكي في عرض شكواه ومظلمته. فالواضح أن السياق العربي يتعاطف بدرجة أو بأخرى مع الشكائين، ويخلق من أجلهم الأعذار المختلفة، سواء المقبولة أو غير المقبولة.

وينتشر بجانب هذا النوع نوع آخر يمكن تسميته «بالمثقف الحرفي»؛ حيث يشبه هذا النوع من المثقفين أي حرفي محدد بخبرات معينة لا يستطيع تجاوزها، فواجباته ومسؤولياته اليومية تُملي عليه أعباء معينة، تؤطر له حدود مستواه الثقافي والفكري.

وهو يكتسب معلوماته الثقافية والفكرية من أعباء الوظيفة، ليس أكثر أو أقل! وللأسف فإن هذه النوعية أصبحت منتشرة في طول العالم العربي وعرضه، بل إن اللافت للنظر أن البعض منها يلعب دورا كبيرا في صياغة المشهد الثقافي العربي. وخطورة هذا النوع تظهر بشكل واضح حينما يريد أن يفرض مهاراته وقدراته الحرفية على ممارسات ثقافية حقيقية، تأبى الانصياع للشكل الحرفي المهني الصارم الخالي من التجديد والإبداع.

وفي ضوء تدهور الثقافة في عالمنا العربي، وحالة القبول المخزي بأنصاف المثقفين وأرباع المبدعين، فإن الساحة العربية تمتلئ بهذه النوعية من المثقفين، خصوصا في ظل قدرتهم على عرض وتسويق أنفسهم بمهارة يُحسدون عليها.

وفي سياق الثقافة العربية القائمة على بنية العلاقات والمجاملات الاجتماعية أكثر من استنادها على جودة المنتج وأهميته، يظهر نمط آخر من المثقفين هو «مثقف تشهيل الأعمال والتربيطات»، وغيرها من أنواع الخدمات الأخرى التي تقترب بدرجة أو بأخرى من الثقافة وتحتك بها. هذا النوع من المثقفين يختلف عن المثقف الحرفي في كون الأول يُلم بدرجة أو بأخرى بجانب ضيق جدا من أعباء الثقافة ومتطلباتها، ويتسم بالمهنية في القيام به.

بينما النوع الثاني يفقه في كل أمور الثقافة ومنتجاتها بدون أي عمق وبشكل سطحي مخيف، بل إنه يكتسب الكثير من معلوماته من خلال السماع أو من خلال التعارف بالكثير من المثقفين الحقيقيين. اللافت للنظر هنا أن هذا النوع من المثقفين ينطوي على شبكة علاقات واسعة جدا، قد تنقله للعمل في أدوار أخرى مريبة ومخيفة، بعيدة تماما عن حقل الثقافة، وقد تضر في النهاية بالمؤسسات التي يتواجد فيها أو يعمل من خلالها.

وبالطبع يحتاج العمل الثقافي إلى قدر من التعاملات الاجتماعية؛ فعلاقات الإنتاج الأدبي والفني ومعارض الكتب والندوات الثقافية، كلها تستند في التحليل النهائي إلى قدر ما من العمل الاجتماعي. لكننا لا نقصد هنا هذه النوعية من العمل الاجتماعي المرتبط بالثقافة، بقدر ما نقصد هذه النوعية التي تقتحم الثقافة والفكر، من باب العمل الاجتماعي وبنية العلاقات وإسداء الخدمات وادعاء البطولات والقدرات المعرفية المتوهمة. وفي ظل ضعف الثقافة العربية الراهن، يختلط النوع الحرفي والنوع الاجتماعي بدرجة كبيرة، بحيث لا نستطيع في بعض الأحيان تمييز الأول عن الآخر.

من الواضح أن ضعف الثقافة العربية الراهن يؤدي إلى ظهور أنماط كثيرة وجديدة من المثقفين، وهي أنماط لديها القدرات الهائلة على التحور وفق مقتضيات الواقع المحيط. فالأمر الذي لا شك فيه أن سيادة النمط الحرفي ونمط «تشهيل» الأعمال و«التربيطات» في الثقافة العربية الراهنة، يعكس بدرجة أو بأخرى المستوى الضحل الذي وصلته تلك الثقافة الآن.

وعدم قدرة المجتمع الثقافي على الفرز والاحتفاظ بالعناصر الجيدة وطرد العناصر الرديئة، وهو أمر يؤدي بالواقع الثقافي العربي إلى القبول بكل دخيل على ساحة الثقافة والعمل الفكري. والأمر المحزن هنا أن هؤلاء يتصدرون الساحة فيما بعد، ويتدخلون في صياغة معالمها وتحديد خططها.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com