قال طلال القحطاني، رئيس جمعية المهندسين الكويتية، إنه تم تخصيص الملتقى الهندسي الخليجي الذي سيعقد في 27 الشهر الجاري، لمناقشة مشكلة النقل والمرور في دول مجلس التعاون الخليجي، وهناك ـ كما أضاف لصحيفة «الوطن» 15/10 ـ أوراق عمل عن النقل الجماعي وعن المشكلة المرورية، والمترو منها (يقصد أحد حلول تلك المشكلة).. وهناك أوراق تقيم تجربة مترو دبي.
لعل هذا التصريح أول غيث النظرة الجدية لحل المشكلة المرورية التي باتت تعاني منها كل العواصم الخليجية، والتي تتفاقم سنة بعد أخرى بسبب قدرة مواطني المنطقة وحرصهم على اقتناء «السيارة الخاصة» كوسيلة وحيدة ومفضلة للتنقل. وهذه الوسيلة كانت مثالية حينما كانت تلك المدن صغيرة، وسكانها قليلي العدد، أما وقد توسعت تلك المدن أفقياً وأخذت ناطحات السحاب في وسطها تشق عنان السماء، فقد بات من المستحيل الاستمرار في نفس النمط من المواصلات المعتمد أساساً على التنقل الفردي.
كانت الأجرأ هي دبي، التي عودت المنطقة، بل ربما العالم على مشاريع رائدة، فاتخذت قرار النقل الجماعي كي يكون خياراً متاحاً لكل القاطنين فيها أو لمن شاء من زوارها، الذين يردونها من أركان المعمورة الأربعة. فأنشأت مترو جميلاً سيكون عند اكتماله الوسيلة المفضلة لدى غالبية قاطنيها وزائريها، لأنه يغطي مناطقها التجارية وأسواقها الكبيرة، فضلاً عن أغلب فنادقها الفخمة.
والتنقل بهذا المترو بأسعار زهيدة لا تضاهي تلك التي تدفع لسيارات الأجرة، فضلاً عن سرعته ومحافظته على البيئة، ولعل تلك من أهم الاعتبارات التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار حينما ينظر إلى مسألة «العائد على الاستثمار». فمثل هذا المشروع وأمثاله في المستقبل في العواصم الخليجية الأخرى، يجب أن لا ينظر إليه بمقياس «الربح» المادي البحت من المشروع، وإن كانت تلك النظرة مهمة، بل يجب أن ينظر إليه على أساس آثاره المجتمعية والبيئية النافعة.
والكويتيون باتوا يغبطون دبي منذ إطلاق متروها، وبالتالي بات حديث المترو يتصاعد في الدواوين وعلى صفحات الجرائد، خاصة أن فكرة إنشاء مترو في الكويت قديمة، بيد أن مشاريعها الاستراتيجية باتت تتأخر، كما يقول الدكتور فهد الركيبي مدير مركز النقل والسلامة المرورية في كلية الهندسة. فقد كان مقدراً أن يبدأ العمل فيه حوالي العام 2014 ليحمل 69 مليون راكب في السنة، حيث قدرت تكلفة المشروع بحدود سبعة مليارات دولار، ليغطي قلب المدينة وأطرافها من الضواحي الجديدة والمدن.
وقد تكون حاجة الكويت لتطوير مواصلاتها الجماعية وعلى رأسها إنشاء مترو ماسةً، إذ يقدر عدد سكانها بثلاثة ملايين ونصف المليون، «محشورون» في المنطقة الحضرية المتاخمة لساحلها المطل على الشمال الغربي من الخليج العربي، ويحتلون مساحة تقل عن 5% من المساحة الكلية للدولة، تبدأ من مدينة الجهراء شمالاً إلى منطقة أم الهيمان جنوباً.
وفي هذه المساحة المحدودة يتحرك يومياً مليون مركبة تقريباً، لتجعل الازدحام شيئاً لا يطاق في شوارعها وعلى وجه الخصوص في ساعات الذروة، حيث تكون وجهة معظم المركبات إما إلى قلب مدينة الكويت، أو في الاتجاه المعاكس. ولا شيء يستوقف زيادة عدد السيارات، بالذات الخاصة سنة بعد أخرى، خصوصاً بالنسبة لمواطنيها الذين يمثل الشباب نسبة عالية بينهم!.
وكنت أظن أن حالة الزحام هي الأسوأ في الكويت بين شقيقاتها الخليجيات حتى زرت في «الويك إند» الماضي البحرين، فألفيتها لا تقل سوءاً عن الكويت، بل ربما تفوقها في ذلك، رغم أن وصولي لم يكن في وقت الذروة! فقد نَمت البحرين في السنوات التي انقطعت عنها وتوسعت عمرانياً بشكل لافت وظهرت فيها امتدادات سكنية كبيرة، فضلاً عن تلك الأسواق الضخمة والمباني الشاهقة المليئة بالمكاتب وبالموظفين الذين يمتلك كل منهم سيارته الخاصة.
وأظن أن البحرين مهيأة أكثر من الكويت لتتبنى خيار المترو، لارتفاع الكثافة السكانية في الكيلومتر المربع الواحد، مما يجعل بناء المترو مشروعاً ناجحاً من ناحية الربحية، فضلاً عن كثرة الاستخدام، حيث التصاق مناطقها ومراكزها السكنية الواحدة بالأخرى.
إن التحدي الأكبر لنجاح خيار المواصلات الجماعية في منطقتنا، يكمن في مدى اقتناع المواطن (الذي يسكن في المدينة أو في ضواحيها) باستخدام المواصلات الجماعية وعلى رأسها المترو والحافلات، في ظل وجود خيار آخر لديه وهو امتلاكه للسيارة الخاصة. وكلما اقتنع هذا المواطن بصعوبة استخدامه لتلك الوسيلة الخاصة، بالذات للذهاب والعودة من العمل في قلب المدينة، كلما أخذ يفكر جدياً في خيار المواصلات الجماعية.
ولعل دبي كانت السباقة في إعطاء ساكنيها، من مواطنين أو وافدين أو سائحين، خيار استخدام الموصلات الجماعية التي كان آخرها المترو، حيث بات الجميع في دولنا الخليجية العربية ينظر لهذه التجربة ومدى نجاحها ل«يقلدها»، وهي تجربة لا محالة ناجحة بفضل حُسن التخطيط والتنفيذ.
كاتب كويتي
