الأميركيون قاطبة ـ كباراً وصغاراً ـ يتباهون بأن أميركا تنفرد بأنها البلد الأعظم في هذا العالم وهذا العصر.. وهي مباهاة بلغت لدى الشعب الأميركي منزلة العقيدة الدينية غير القابلة للنقاش.
فهل هو غرور مبرر؟
طرح هذا التساؤل المؤلف الأميركي نيل جابلر، من خلال مقالة خفيفة الدم لكنها شديدة الجدية، نشرت في صحيفة «هيرالد تربيون» الأميركية. وأجاب جابلر بتساؤل مبدئي: ما هو المعيار الذي ينبغي الاحتكام إليه لنقرر أن بلدا ما أعظم من أي بلد آخر؟
أجل.. الولايات المتحدة لديها موارد مادية ضخمة.
وكذلك لديها درجة عالية من متوسط دخل الفرد. لكن طالع التقرير السنوي (النسخة الأحدث) عن «مؤشرات التنمية الإنسانية» الذي تصدره الأمم المتحدة، لتكتشف أن ترتيب الولايات المتحدة ليس هو الأول، بل الخامس عشر في العالم، خلف النرويج وفرنسا وكندا وأستراليا.
ويقول الكاتب: نعم، إن الولايات المتحدة لديها أفضل نظام للتعليم الجامعي في العالم بأسره، لكنها تأتي في المرتبة الثالثة عشرة من حيث توفر الفرص للطلاب الراغبين. فالتعليم العالي في الجامعات الأميركية ليس متاحا إلا للموسرين المقتدرين ماليا. وهذا ينطبق أيضا على التعليم المدرسي.
وبالرغم من أن الأميركيين يتفاخرون بأن لديهم أفضل خدمة صحية في العالم.. لكن مع ذلك فإن ترتيب الولايات المتحدة هو الدرجة السابعة والثلاثون. ثم إنها الدولة الصناعية الوحيدة في العالم التي ليست لديها خدمة صحية وطنية للعلاج المجاني أو شبه المجاني المتاح للجميع.
يتساءل جابلر: إن لم تكن أميركا البلد الأعظم في العالم فلماذا يريد أناس كثيرون الهجرة إليها؟
والإجابة أن هذا ليس مؤشرا للعظمة، وإنما هو مؤشر يفيد بأن اليائسين في بلدان العالم الثالث يسعون للسفر إلى أي بلد ذي اقتصاد قوي، بحثا عن مستوى معيشي أفضل.
وبقدر ما ينطبق هذا على أميركا فإنه ينطبق على بلدان أخرى. فبينما يهاجر المكسيكيون إلى أميركا، يهاجر الأتراك إلى ألمانيا، والهنود والباكستانيون إلى بريطانيا، وعرب شمال إفريقيا إلى فرنسا. إن المبالغة في التباهي تفضي إلى المبالغة في الغرور. والمبالغة في الغرور تجلب بدورها أضرارا جسيمة.
هذا هو الاستخلاص النهائي للكاتب. وهو يقول إن الغرور الأميركي انحدر بأميركا إلى درك لا أخلاقي يتميز بانتهاك القيم. ومن هنا كان انتشار ممارسات التعذيب في الداخل «وعدم استعدادنا للاعتراف بأخطائنا في أفغانستان، مع أخطائنا الاقتصادية التي فجرت الأزمة المالية الكارثية التي عصفت باقتصادنا الوطني».
ولم يترك جابلر زيادة لمستزيد.