أن لا تعبأ إسرائيل حتى بمصالح وليّ نعمتها أميركا، كلما سنحت لها الفرصة؛ فذلك ليس بجديد. سبق لها أن تجسّست على أسرار عسكرية أميركية، تتصل بصميم الأمن القومي الأميركي. كذلك، أن لا يكون رد فعل واشنطن أكثر من معاتبة خجولة، أو الحكم بالسجن على الجاسوس في ابعد تقدير؛ أيضاً ليس بجديد.
الجديد، إذا جاز التعبير، أن إدارة أوباما التي أوحت بتغيير ما في قواعد اللعبة، لم تبق فقط ملتزمة بالموروث؛ بل أيضاً تجاوزته إلى حدّ التصرف بطريقة تبدو وكأنها تستجيب للإملاءات الإسرائيلية. الكيان الصهيوني يرفض أدنى المطالب، أو ما يشبه التوسلات، للإدارة؛ ويعاود عملياته التجسسية على الأسرار العسكرية الأميركية؛ فيما يأتي ردّ واشنطن بالمزيد من «التفهم» والإغداق والقيام بأكبر المناورات الجوية مع حكومته، لتطمينها والنزول عند رغباتها.
هذه الأخيرة قالت «لا» علنية لوقف التوسع الاستيطاني، بالرغم من إلحاح الإدارة على هذا الطلب. انصاعت واشنطن لتعنت حكومة نتنياهو. ثم سارعت إلى الوقوف ضدّ تقرير غولدستون، لحماية إسرائيل منه. وهي تبدو عازمة على منع وصول هذا التقرير إلى مجلس الأمن. وإذا وصل، لن تتردّد في إعدامه بسيف الفيتو.
وآخر الغيث، كان في المناورات الجوية المشتركة، الأميركية ـ الإسرائيلية، التي لم يسبق لها مثيل والتي بدأت أمس ولمدة أسبوعين. لأول مرة تستخدم فيها أنظمة صواريخ ودفاعات جوية ورادارات، من آخر طراز متوفر في الترسانة العسكرية الأميركية. المعروف أن مناورات جوية مشتركة، بدأت تجري بينهما مرة كل سنتين؛ منذ 2001. في السابق كانت تحصل في الربيع.
هذه المرة تقدّم الموعد. أوساط أميركية، تفسّر ذلك بأنه جاء من باب تقديم التطمينات الدفاعية لإسرائيل، كي تصرف النظر عن الخيار العسكري؛ إزاء النووي الإيراني. فيما نقل راديو إسرائيل،عن مسؤول عسكري قوله إن المناورات جاءت في إطار «الاستعداد لمواجهة إيران النووية».
سواء كانت «للتطمين»، أو «للاستعداد»، أو «لتوجيه رسائل»؛ فهي تأتي بالتزامن مع إلقاء القبض على جاسوس جديد، سلّم إسرائيل معلومات وأسرارا حساسة؛ تتعلق بالأمن القومي، كانت بحوزته بحكم عمله السابق في البنتاغون، ثم في وكالة الفضاء «ناسا». قد تكون العملية مثل أو شبيهة بما قام به الجاسوس جوناثان بولارد، في 1985، الذي ما زال في السجن. وبين بولارد وهذه المرة، ضبطت أكثر من عملية تجسس لصالح إسرائيل.
أن تتقبل واشنطن مثل هذا الاختراق من حليفتها، فهذا شأنها. لكن الإدارة لا يسعها الاحتفاظ بصدقيتها وفي ذات الوقت مكافأة إسرائيل وبما يشبه الرضوخ لها.
