ينشغل البحرينيون أحيانا، في ما يطرحونه أو يناقشونه من قضايا ومشكلات، بأمور لها علاقة بحياة الناس ومصالحهم، بل لها علاقة بتطور البلاد والعباد، إلا أنهم في أحايين أخرى ينشغلون ويُشغلون بقضايا لا تنعدم فائدتها فحسب، بل إن تداعياتها عليهم كبيرة كأفراد ومجتمع. ويدخل في هذا الجدل ساسة فاعلون في السياق الرسمي، كنواب الشعب وغيرهم من الكتاب، ولربما بعض «المُتَفكِرين» و«المُتَصحِفين» ولربما «المتأكدمين»، في جدل لا يخدمهم وبالطبع لا يخدم مجتمعهم.
ويتداول هؤلاء كتبا أو كتيبات صفراء تحمل في بعضها اسم كاتبها، إلا أنها في غالبها الأعم لا تحمل إلا أسماء وهمية، انشغل في إعداد بعضها نفر من «المُتَأكدمين» و«المتدكترين» الذين قد دخلوا إلى عالم الكتابة كصدفة من صدف التاريخ. وهي كتيبات لا تساوي قيمتها العلمية إلا صفرا، رغم أن عواقبها السياسية غير المنظورة كبيرة وجسيمة.
ومن الحق القول إن أطرافا من المجتمع قد انشغلت أو شَغلت اهتمام الناس والمجتمع بمقولة «من هو البحريني»؟ هل هو الذي كان موجودا هنا منذ آلاف السنين، أو ذاك الذي كان هنا من بضعة قرون، أو ذاك الذي كان موجودا هنا منذ بضعة عقود؟ وهل يجوز إضافة آخرين جددا كانوا هنا منذ بضع سنين قليلة أو كثيرة؟ وهل نحن باختلاف أصولنا يجب أن نكون متساوين في الحقوق والواجبات؟ وهل هذا المجتمع كان تاريخيا محسوبا أو مصنفا على هذه الجماعة أو تلك؟ وقد يندفع البعض لدحض ذلك أو تأكيده!
ولا أدري ما إذا كان نافعا لأحد منا القول إن هذه الجزيرة هي خالصة لهذه الفئة من الناس دون الآخرين، أو القول إن أصول الناس قد انحدرت من هذه القبيلة أو العشيرة أو ذلك العرق؟ أو أنهم لم يكونوا هنا في تلك الحقب التاريخية البعيدة؟ أو ينفعنا كل هذا القول في الأصل والعرق مهما كانت صحة بعضه؟
بل هل ينفعنا أن نحصر منافع المجتمع في البعض دون الكل، لأسباب متعلقة بتاريخ الوصول أو بمكان الانطلاق نحو الهجرة؟ أو أن أجدادك قد جاءوا إلى هنا قبل أجدادي أو كانوا يؤمنون أو يعتقدون بنهج ديني معين أو بسبب انتسابك لطائفة من الناس: عرقية كانت أم دينية؟ هل نحن معنيون بصراع كان قبل خمسة عشر قرنا، مهما كانت صحة أو جدارة ما قيل فيه؟ هل نحن وأبناؤنا معنيون بما حصل بين المسلمين في التاريخ؟ وهل نحن معنيون بأصول آبائنا وأمهاتنا وأجدادنا؟ وهل الأصل يشكل سُبة أو لعنة يحملها الشخص من المهد إلى اللحد؟
قد يكون البعض في أوروبا أو شرق آسيا معنيين بعض الشيء بمعرفة أصولهم، إلا أن المجتمع ليس معنيا بهم إلا في ضوء ما يقدمونه لمجتمعهم. وأصولهم هذه لا تضعهم قيد أنملة فوق أو تحت الآخرين في المجتمع، فهم في مجتمع يحفظ لهم كل الحقوق ويفرض عليهم كل الواجبات. وأن منافع المجتمع هي لكل أبنائه، كما أن الدولة هي ملك لكل المجتمع ومُمَثِلَة له.
هناك حقيقة بات العالم في جله يشهدها، وهي التحولات الكسموبوليتية للمجتمع البشري، ليس من حيث المعطى الاقتصادي والاجتماعي لها، وإنما من حيث إن المجتمع البشري قد أصبح مجتمعا متعدد الثقافات والأعراق.
وقد لا يختلف البعض في أن الهنود الحمر هم السكان الأصليون للأميركتين، كما أن الأوبريجني هم السكان الأصليون لاستراليا ونيوزيلندا، وأن السود هم السكان الأصليون لجنوب إفريقيا.. إلا أن اعتراف تلك المجتمعات بهذه الحقيقة، التي لم تعد تشكل هما أو هاجسا فيها للفرد والمجتمع والدولة وأفرادها لم يدخلوا قط في صراع تأكيدها أو نفيها، لم يمنعها من الاعتراف بحقيقة أن النهوض الاقتصادي والاجتماعي والثقافي الذي حققته في سنواتها الماضية، لم يكن ليتم إلا بجهد وإنجاز من الجماعات الأوروبية المهاجرة إليها، وأن النهوض الذي حققته سنغافورة وماليزيا لم يكن إلا بفعل الجهد الكبير المتوازي للجماعات الماليزية والسنغافورية المنحدرة من الأصول العربية والهندية والصينية المهاجرة.
إن المجتمع البحريني هو مجتمع قد بارح، ومنذ قرون، صبغته الأحادية، وبات بفعل ذلك من أكثر مجتمعات الخليج اتساما بتعدديته الإثنية ـ الثقافية. وهي تعددية قد أكسبته شخصية فريدة في منطقة الخليج العربية، وهو لكونه كذلك فإن الحديث عن الأصل أو محاولات البعض نعت الآخرين في أصولهم، وإن جاء ذلك تحت مظلات مختلفة، لا يمكن أن يكون إلا حديثا شوفينيا لا يخلو من أغراض أو وظائف سياسية مريبة.
إن البحرينيين مهما اختلفت مذاهبهم أو مناطق سكناهم أو انحدرت أصولهم العرقية أو المذهبية، هم بحرينيون بالأصالة ولهم حقوق متساوية وعليهم واجبات متماثلة.
وإن ما يقدمونه للمجتمع يجب أن يكون معيار التمايز، وليس انتماءاتهم العصبوية القريبة أو البعيدة. وأي طرح قائم على تلك النوازع العصبوية العرقية والمذهبية والدينية المريبة، إن هو إلا طرح نازع نحو الاستئثار بالقوة والمنافع، أو حصرها لأسبابها العصبوية في جماعته الصغيرة أو الكبيرة دون الآخرين.
إن الحديث في الأصل قد لا يكون منحرفا إلا في الحالة التي يأخذ فيها شكل التعصب الشوفيني، أو يكون لتحقيق وظائف وغايات سياسية ومنفعية من قوى وجماعات سياسية في سياقها الرسمي أو الأهلي أو العام. والحديث عن الأصل والأرقام في المسألة الديمغرافية بنفس عصبوي، لا يضيف للجهد المجتمعي إلا صفرا. إنها نزعة قد تُؤسس للكنتنة الاجتماعية وتضر بالمجتمع.
إن الجهد كل الجهد يجب أن يصب في التأسيس لمجتمع تتساوى فيه الحقوق والواجبات، وتُعلى فيه القيم والمعايير الميرتوقراطية، ويُجذر في عمقه القانون.
والسلطة في ذلك لا تستطيع أن تُحدث التغيير المطلوب في وعي الناس وتوجهاتهم، إذا لم تلتق مع رغبة شعبية ـ أهلية داعمة للتغيير ونازعة نحو إقامة المجتمع الحديث، الذي لن نقول بأن تذوب فيه الهويات الصغيرة أو الكبيرة، وإنما تُؤسس فيه قيم المواطنة والميرتوقراطية. ودون ذلك سنبقى نبارح المكان ونلعن بعضنا بعضا، بل وننشغل بتاريخ لم يكن يوما ليؤسس مستقبلاً.
كاتب بحريني