شهدت الصحافة العالمية في الأيام القليلة الماضية، مفردة جديدة مهمة في عالم السياسة، هي «المصالحة السياسية»، وكانت في مقدمة تلك المساعي التصالحية التاريخية، الخلافات الطويلة بين تركيا وأرمينيا، نتيجة اتهام أرمينيا لتركيا في تلك الفترة بمذابح ارتكبت ضد الأرمن. ومنذ تاريخ المذبحة عام 1915 حتى عام 2009، وسواء في حقبة عضويتها في الاتحاد السوفييتي أو بعد انهياره، لم تترك أرمينيا محفلا ولا جهة حقوقية ولا مناسبة سياسية وغيرها إلا وطرقتها، وقد فتحت نيرانها على تركيا تطالبها بالاعتذار عما حدث، ولكن الآذان التركية ظلت من جهتها صماء، وإذا ما وجدت مناسبة ردت بإجابات مقتضبة أو تبريرات غير مسوغة رفضتها أرمينيا.
وفي فترات اتسمت بحكومات العسكر في تركيا وسلطة سوفيتية مركزية، لم تكن فيها الطائفة الأرمينية على اتفاق سياسي موحد، فهناك أيضا جماعات أرمينية غادرت أرمينيا السوفييتية وناهضتها، وأخذت تشن هجوما إعلاميا وسياسيا على الدولة الأرمينية وتبعيتها للسياسة الخارجية السوفييتية، تاركة أرمينيا في تلك الفترة القضية الأرمينية على عاتق الشعب الأرميني في مناطق الشتات.
تمزقت القضية الأرمينية داخل تلك الطائفة، ولكن موضوع المذبحة ظل واحدة من القضايا المركزية التي وحدت الأرمن جميعهم حولها طوال تلك الفترة، بل وخلقت داخلها مؤسسات معنية بمتابعة هذه القضية، لما يتمتع به الأرمن من لوبي أميركي جيد ولوبي فرنسي له حضوره، فيما صمتوا كثيرا في العالم العربي عن قضيتهم وصارت هامشية، حتى وإن بدا الأرمن طائفة داخل تلك المجتمعات لها نسيجها الخاص ومكوناتها الثقافية واللغوية المختلفة، مما جعلها تحافظ على كيانها القومي وتواصل تعليم الأجيال ثقافتهم القومية محاولة تذكيرهم بالكارثة أو المذبحة، كما يفعل الإخوة الفلسطينيون مع أطفالهم فيذكرونهم بتاريخ أسود في حياتهم عندما فقدوا الأرض والوطن.
ما ميز الأرمن في دول الشتات عن الإخوة الفلسطينيين، قدرتهم على الاتصال بعالم الغرب وعلى وجود مرتكز الدولة في الاتحاد السوفييتي، بخلاف الفلسطينيين في العالم العربي، فقد حددوا الانتماء لعرقهم مع تجنسهم، والقبول بعيش مشترك مع الاحتفاظ بمسافة الهوية المغلقة. وفيما كان الإخوة الفلسطينيون، نتيجة لاعتبارات قومية، يناشدون العرب كحق قومي في الدفاع عن قضيتهم من جهة، فإن الدول العربية خلقت بينها وبين الفلسطينيين مسافة كبيرة، لمخاوف ومحاذير لم تكن موجودة في الطائفة الأرمينية.
اليوم يحاول الأرمن الخروج من عتمة الفكرة القديمة وأهوالها، وطي الصفحات السوداء من تاريخ العلاقات بينهم وبين الدولة التركية، إذ لا يمكن للأجيال المتلاحقة مواصلة البقاء في خندق العداء بين دولتين جارتين وتنتميان إلى مشروع مشترك سياسي وإقليمي، فالأرمن أيضا ينتظرون دورهم لعضوية الاتحاد مثلما تنتظر تركيا دورها.
ولكي تمهد السبل لبناء جسور متقطعة بين البلدين، عملت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على التقريب بين تركيا وأرمينيا، إذ ترتبط تركيا مع الولايات المتحدة بعلاقات تاريخية مميزة، مثلما يرتبط الأرمن بالاثنين معا؛ بالأوربيين والولايات المتحدة.
وإذا كانت ذاكرة جيل الكبار من الأتراك والأرمن متشنجة ومتوترة ومتشددة، تضم على ضفتيها صقورا لا يتنازلون، فإن ذاكرة الجيل الشاب شبعت من غنائيات وقصائد التمجيد من جهة، والكراهية من جهة أخرى، بحيث باتت لا تناسب تطلعات جيل القرن الواحد والعشرين.
وبما أن الأجيال المتلاحقة ليست معنية بتحمل أخطاء الأجداد، فإن على ساسة هذه المرحلة أن يزيلوا عقبات الماضي ويؤسسوا لعلاقات جديدة قائمة على الثقة والاحترام المتبادل، فلا أحد من ساسة هذه المرحلة العالمية يجد في قاموس النزاعات الحدودية أو العرقية والثقافية والتاريخية، ملفات صالحة كأجندة قابلة للاستثمار بشكل سافر ومتواصل. لا بد من الاعتراف السهل والنهائي (ولتكن مذبحة، إبادة، قتلا جماعيا، حربا أهلية).. المهم هو قبول كل طرف بالآخر، فكلها من ملفات الماضي الذي لم تسلم من قبضته شعوب عدة.
وفي الوقت الذي كانت تركيا وأرمينيا تطويان صفحة العداوة التاريخية المتشابكة والمعقدة، نجد الإخوة الفلسطينيين يواصلون عراكهم حول المصالحة الوطنية، برعاية مصرية، بل وصار تقرير غولدستون قنبلة موقوتة حاولت حماس استثمارها سياسيا بأقصى ما يمكن، فأخطاء فتح ثمرة خصبة عند حماس والعكس كذلك. ومثل هذه التربة العدائية لا يمكن أن تنتج مصالحة دائمة، فمشكلة الإخوة الفلسطينيين أن القرارات التي تتخذ على ضفتي الصراع حماس ـ وفتح، يتم حبكها حزبيا أو خلف كواليس ضيقة داخل حلقات صغيرة في الجهتين.
وإذا ما كان الدرس الأرميني ـ التركي مثمرا سياسيا لتربة الفلسطينيين، فإن التعلم من تجارب قاسية أخرى خارج نطاق تجربتهم الداخلية مسألة مهمة، ولكن كتلة النار التي ولدها تقرير غولدستون أشعلت البيت الفلسطيني، فكاد تقرير غولدستون يصبح المسمار الأخير في نعش المصالحة الفلسطينية ـ الفلسطينية.
ما تحتاجه السلطة الفلسطينية بعد توقيع اتفاقية المصالحة، الوطنية، هو بناء مشروع ديمقراطي مؤسساتي فهو وحده القادر على اتخاذ قرار مصيري، فالآلية الحالية فلسطينيا إما فردية أو ثنائية معطلة قائمة على الصراع والأنانية السياسية. ولا يهم بعدها ما هو الثمن الذي يدفعه الشعب الفلسطيني المحاط والمحاصر بسلسلة ملفات ساخنة ومصيرية، تربكها مماحكات سياسية.
تبقى المعضلة الهامة كيف بالإمكان الخروج من الخلافات بصدد تقرير غولدستون، وتحويل المعركة من داخل بيت الإخوة إلى خارجه؟ فليس المهم الآن التشبث بملاحقة الخطأ، وإنما إعادة إنتاج العلاقات الجديدة من أجل معركة أوسع واهم، وهي قيام الدولة الفلسطينية وحقها في الحياة، بحيث يصبح تقرير غولدستون مادة سياسية وإعلامية وقانونية تصب في رافد القضية ونجاحاتها الدولية.
أمام التقرير رحلات عدة بين الدول والهيئات الدولية، ومن المهم وضع عنق إسرائيل على المقصلة، حتى وإن جاء القرار الدولي في النهاية بتجريمها ومحاكمة من ارتكبوا جرائم حرب، وعلى الفلسطينيين ـ خاصة حماس ـ توقع دفع ضريبتهم، فمفردة الضحية والجلاد لغة ممنوعة من الصرف في المجتمع الدولي.
كاتب بحريني