بعد إقرار المجلس العالمي لحقوق الإنسان، لتقرير القاضي الدولي غولدستون حول الجرائم الحربية وضد الإنسانية خلال العدوان الصهيوني على غزة، رغم المعارضة الأميركية والأوروبية والإسرائيلية ومن تبعها بغير إحسان ولا إحساس إنساني، يلزم وضع مسألة طلب السلطة الفلسطينية بسوء تقدير تأجيل التصويت على التقرير غولدستون وراء ظهورنا، وتجاوزها حتى وإن لم نرد التجاوز عنها، وذلك للنظر إلى خطوات ما بعد التصويت.

حتى لا نستنفد الجهود الفلسطينية والعربية في مساجلات تخصم ولا تضيف للجهود الواجب حشدها دوليا لمتابعة مسار التقرير وملاحقة المتهمين الصهاينة، من قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى قاعة مجلس الأمن الدولي، ثم إلى قاعة الجمعية العامة مرة أخرى تحت عنوان «الاتحاد من أجل السلام»، إذا فشل مجلس الأمن في إحالة إسرائيل للمحاكمة، وحتى باب المحكمة الجنائية الدولية، وأبواب المحاكم الوطنية في دول العالم، حتى لا يفلت المجرمون من العقاب.

وسواء كان طلب التأجيل الفلسطيني خطأ أو خطيئة، فلقد تم التراجع عنه، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، وسواء كان الطلب بضغط أميركي أو بتوافق عربي، فلقد أمكن تصحيح الموقف بعقد جلسة استثنائية لإجراء التصويت، وتمت الموافقة، لا على التقرير الخاص بجرائم إسرائيل على غزة فقط، بل أيضا على جرائمها بسلب حقوق الإنسان الفلسطيني في القدس، وعلى جرائم الحصار اللا إنساني على غزة.

هذا التقرير الذي أصبح في أيدينا كوثيقة اتهام قانونية أممية، هو غاية في الأهمية وبالغ الخطورة على إسرائيل التي لم تتماد في عدوانها ولا في جرائمها بغير خوف لا من العرب ولا من العالم، إلا لظنها أنها بعيدة عن الردع العربي وعن العقاب الدولي، و«من أمن العقاب أساء الأدب»، وإلا لأن أميركا والقوى الغربية في مجلس الأمن، منعوا العالم مرات عديدة من إدانتها وعقابها حتى ظنت أنها فوق القانون الدولي، لكنها الآن في أكبر ورطة، وحماتها في حالة ارتباك غير مسبوقة.

وحتى ندرك خطورة الورطة الإسرائيلية ومدى الارتباك الغربي، دعونا نتذكر صدى مجرد صدور هذا التقرير في الأوساط الإسرائيلية. لقد كان له وقع الصاعقة التي أسكتت الوزراء الصهاينة حتى عن التعليق، بأوامر رسمية من نتنياهو وباراك اللذين اعتبرا التقرير «خطير للغاية» وأشبه ب«محكمة ميدان»، فرأت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية في صدور التقرير أنه «يوجه ضربة قاصمة لإسرائيل»، فما بالكم بإقراره عالميا رغم محاولات المنع أو التأجيل الأميركية والفرنسية والإسرائيلية؟ لا شك أنه أكبر من صاعقة!

بل ترى الصحيفة أن هذه الضربة القاصمة تصيب إسرائيل في ثلاث جبهات، سياسية وقانونية وإعلامية، إذ يشكل التقرير قاعدة لقرارات دولية ضد إسرائيل.. وإن قرارا منها يصدر من مجلس الأمن سيلحق بها أزمات كبيرة، بدءا من التوصية بمحاكمتها دوليا، ومرورا بفرض عقوبات عليها إذا لم ترفع الحصار عن غزة.

وإعلاميا، فإن الأضرار خطيرة على صورة إسرائيل أمام الرأي العام العالمي، لأن التقرير يوفر غطاء قانونيا لاتهامها بارتكاب جرائم حرب لا إنسانية.. وعلى الجبهة العسكرية والقانونية فالأمر ليس أقل خطرا، إذ ينزع التقرير الشرعية عن أساليب الجيش الصهيوني، بما يشل يد الجيش في عمليات قادمة، كما يعرض قادتها للملاحقة في المحاكم الوطنية، هذا ما يتوقعون منا فعله.. فهل سنفعل؟

mamdoh77t@hotmail.com