ليس من السهل على من عرف الدكتور محمد السيد سعيد أن ينعيه. فهو كان نموذجا إنسانيا بالغ الرقي والعمق معا، وعالما ومفكرا فذا يصعب تكراره. كنت ممن وهبهم الله نعمة الاقتراب منه عبر فترة زمنية امتدت لما يقرب من الخمسة والعشرين عاما، كان فيها الأستاذ والصديق والأخ الأكبر.
عرفته في البداية أستاذا تتلمذت على يديه في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام فور تخرجي. وقتها كان يرأس تحرير التقرير الاستراتيجي العربي الذي كان المركز يصدره سنويا، وكنت ضمن فريق العمل البحثي من حديثي التخرج الذين يعهد لهم بإعداد المادة وكتابة بعض الأجزاء. وقتها لقيت منه تشجيعا بلا حدود، وراح يمنحني من وقته وجهده الكثير من أجل التطوير والإجادة.
والحقيقة أن ما فعله معي الدكتور محمد السيد سعيد في تلك المرحلة المبكرة من حياتي المهنية والأكاديمية، لم يكن الاستثناء وإنما كان القاعدة عنده.
فهو طوال أكثر من عقدين عرفته فيهما، فعل الشيء نفسه مع عشرات من الشباب الذين طرقوا بابه حتى دون موعد سابق! طوال تلك السنوات كنت نادرا ما أدخل مكتبه فلا أجد عنده شبابا حديثي التخرج، جاءوا يطلبون معونته أو حتى ليناقشوا معه بعض الأفكار. كان يؤمن بأن الوقت الذي يمضيه مع الشباب، يساعدهم فيه ويصقل مواهبهم، هو استثمار مباشر في مستقبل هذه الأمة والمفتاح الرئيسي لنهضتها.
انتهت فترة تدريبي بالمركز التي شرفت فيها بالعمل معه وتعلمت فيها منه الكثير، لكن أبدا لم ينقطع بعدها الاتصال بيننا. ومع الوقت نمت الصلة وتعمقت حتى صار لا يقوم فقط بدور الأستاذ، وإنما بدور الأخ الأكبر أحيانا، بينما ظل طوال الوقت الصديق الذي لم أمر بمحنة إلا ووجدته إلى جواري.
كنت حين يهاتفني أعرف من أول عبارة يقولها من سيكون هذه المرة. فإذا ما قال لي «كيفك يا أختى»، عرفت أنه بصدد توجيه نصح في أمر طرأ على باله بعد التفكير في شأن من شؤوني.
أما إذا قال «ازيك يادوك» كما كان يحب أن يختصر لفظ «دكتورة»، أدركت أنه بصدد التعليق على فكرة كتبتها ـ بالنقد أو بالثناء ـ أو أنه على وشك أن يناقش معي أحد مشروعاته الفكرية أو الوطنية. أما إذا حياني «بصديقتي العزيزة» أعرف أنه يتصل للاطمئنان، وأنني بصدد تلك المحادثة الممتعة التي تجري بيننا من القلب، وتدور عن أي شيء وكل شيء من الهم العام إلى الشأن الخاص والعكس.
كان محمد السيد سعيد نموذجا يجسد عبقرية مصر ومحنتها في الوقت ذاته. فهو العالم الفذ، والمثقف الموسوعي، والناشط السياسي الذي أنجبته مصر وحظي بشهرة واحترام تخطى حدود بلده. فلم تكن مصادفة أن تقرر الحكومة الفرنسية أن تتولى نفقات علاجه في مرضه الأخير، اعترافا بإسهاماته في مجال حقوق الإنسان وغيرها. ولكن محمد السيد سعيد تجسيد أيضا لمحنة مصر، لأن مثله من العقول الفذة كان يستحق أن يعامل في حياته، بل وفي محنة مرضه، بما يليق بقدره وما يتناسب مع قامته وملكاته.
مفتاح شخصيته هو عشقه لبلاده، فهو المحدد الرئيسي لكل سلوكه. كان حبه لمصر بالغ العمق والتركيب. كان العاشق الذي يحنو على محبوبته، ويزداد احتضانه لها كلما تعمقت محنتها. وأحيانا كان يغضب منها أو عليها، ولكنه أبدا لا يخاصمها ولا يصيبه اليأس منها. ما من مرة هاتفته طوال رحلة علاجه التي امتدت شهورا طويلة، إلا وكان يسألني بإصرار «وازى أحوال البلد؟».
وفي كل مرة كان صوته يحمل لهفة وشوقا لسماع الإجابة. كانت قضايا الأمة العربية وأزماتها حاضرة في عقله وقلبه، لا يكف عن إعمال فكره من أجلها، ولا يتوانى عن أي فعل أو قول يخدم مصالحها. ولعل كتابه «النظام الإقليمي العربي» أحد العلامات المهمة في الفكر العربي والتأصيل النظري رفيع المستوى.
كان انتماؤه الصلب للأمة العربية عميقا دون ضجيج، ومؤثرا دون افتعال. كنت تلمح ذلك الانتماء العربي في كل ما يكتب، دون أن يذكره صراحة بكلمة واحدة. وطوال ما يقرب من ربع قرن، لا أظن أنني رأيته غاضبا إلا من أجل حق عربي ضائع، أو من أجل كرامة عربية مهدرة في أي قطر من أقطار العالم العربي على اتساعه.
آخر مرة سمعت فيها صوته كانت قبل عشرة أيام من رحيله. وقتها كان لا يزال في فرنسا، سألته عن أحواله فأخبرني بنفسه أن الأطباء أخبروه أن المرض قد خرج عن السيطرة ولم يعد في يدهم ما يفعلونه. ورغم أنه لم يكن هناك ما هو أكثر قسوة وإيلاما مما قال، إلا أنني لمحت في صوته ارتياحا واضحا وهو يقول لي «أنا عائد إلى مصر».
ربما كان الارتياح سببه أنه كان يدرك أنه يوشك أن يتخفف من آلام جسده الذي هزمه المرض، أو ربما لأنه كان يريد العودة لمصر التي أعرف تماما أنه كان لا يطيق البعد عنها أبدا.
وقتها خانتني الكلمات ولم أجد ما أقوله، سوى أننا جميعا مشتاقون لرؤياك. فطلب بإصرار ألا يستقبله أحباؤه في مطار القاهرة. قال «أنا عايز آجى مصر بهدوء علشان ارتاح». تعبير بالغ البساطة والعمق معا كما هي عادته. منع أطباؤه في القاهرة الزيارة عنه منذ أن عاد لأرض مصر، فلم يتمكن أحباؤه حتى من رؤيته. لكن الكثيرين صحبوه إلى مسقط رأسه بورسعيد حيث مثواه الأخير.
رحم الله عاشق أمته العظيم، الذي سيظل حيا في كل فكرة كافح من أجلها، وفي كل حلم من أحلامه الكبرى لبني وطنه من المحيط للخليج.
كاتبة مصرية
