يعجب المرء أحيانا من الوقاحة التي تميّز دبلوماسية إسرائيل، ويعجب أكثر لرحابة الصدر التي تبديها بعض الدول حيال الدولة العبرية، عندما تكون فيها الأخيرة هدفا للانتقادات بسبب ممارساتها النكراء ضد الشعب الفلسطيني.
سبب الانتقادات، كما هو الحال دائما، يتمثل في السياسة العنيفة التي يمارسها الجيش الإسرائيلي ضد المواطنين الفلسطينيين، وهذه المرة ضد هؤلاء القاطنين في قطاع غزة.وكما هو معلوم، فإن هذه الموجة العارمة ترافقت مع معارك دبلوماسية عنيفة، لمنع الأجهزة الحساسة في الأمم المتحدة من مباركة تقرير غولدستون، حيث كان بعض تلك المعارك يدور في العلن والبعض الآخر خلف الكواليس الدبلوماسية كما جرت العادة.
لقد أصبح التقليد عرفا ثابتا في ما يتعلق باستعداد إسرائيل لاستغلال الفرص المتاحة أمامها في كل المحافل الحساسة الممكنة، بغض النظر عن تأثيرها في ساحة القرار الدولي.وهذا أمر يجب أن نحسبه لصالح الدولة العبرية، كما يجب الاعتراف لها بقدرتها على إيصال صوتها من خلال دبلوماسية مرنة، تكون عادة متطورة في ما يخص مخاطبة الرأي العام العالمي.
لا مكان هنا للعواطف، ويجب تسمية الأمور بأسمائها الصحيحة: إسرائيل أثبتت أنها أكفأ في هذا المجال من أعدائها العرب، المصرّين أبدا على تقوقعهم في ثوابت دبلوماسيتهم الركيكة في أكثر من مكان حول العالم.
وبهذا يكون صدى التحرك الإسرائيلي أكثر وضوحا في الساحة الدولية من أي تحرك مماثل تقوم به دبلوماسية الدول العربية قاطبة، المتمركزة عادة ضمن مجالس للسفراء أو ما شابهها.
ولا أقصد بحديثي هذا عواصم القرار الحاسمة المتمثّلة بشكل دائم في مجلس الأمن، حيث قد ترقى الممارسة الدبلوماسية العربية إلى مستويات لا بأس بها، بل أشير إلى الغياب القاتل لهذه الدبلوماسية في الدول الصغيرة والمتفرقة، التي قد لا يكون لها تأثير ضخم على صياغة القرار الدولي، لكنها تساهم حتما من خلال تحرّكها وأدائها في المحافل الدولية المختلفة، بتقليل الضغط الذي قد يمارس ضد إسرائيل بين الفينة والأخرى.
وإذا تابعنا حركة الدبلوماسية الإسرائيلية خلال الأسابيع القليلة الماضية، نرى أنها كانت تكمّل ما بدأته هذه الدبلوماسية قبيل الهجوم الواسع على قطاع غزة.وبالتالي فإن ما هو فريد في كل ما جرى، هو الانسجام الواضح الذي تمكنّت إسرائيل من فرضه بين أداء جيشها المحارب من جهة، وجيشها الدبلوماسي من جهة أخرى.
وهذا إتقان في إدارة اللعبة لا يسعّنا نحن العرب إلا أن نتعلّم منه ونستفيد من عِبره، لأن تعمّد تجاهله على مر الأعوام كان بلا شك أحد أبرز أسباب فشلنا في التكتيك والمواجهة معا.وأقصد بالمواجهة كل فروعها، لا شقّها العسكري فحسب.
ضمن هذا السياق، حتما تأتي مشاركة نائب رئيس الوزراء ووزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك مؤخرا في منتدى 2000 الفكري في براغ، الذي ينظّمه الرئيس التشيكي الأسبق ورمز الثورة المخملية فاتسلاف هافل، ويظلّله ويرعاه عدد من الشخصيات الدولية البارزة، ومن ضمنها شخصيات عربية مرموقة.
ففي خضم ما كان يجري بخصوص تقرير غولدستون وتبعاته المحتملة، ارتأى أصدقاء إسرائيل في تشيكيا، وهافل واحد منهم بلا شك، استضافة باراك كضيف مميّز في المنتدى، وسُمح له تاليا بالتمادي في التنظير عن حقوق الإنسان والديمقراطية.
تصوّروا، وزيرا تلطّخت تجربته «الديمقراطية» بكثير من المآسي البشرية والدمار، يُسمح له باقتطاع مدة زمنية كبيرة من وقت المنتدى ليبرر ما جرى في غزة بضرورات واعتبارات مرتبطة بالتصدي «للخطر القاتل» الآتي من الدول العربية وإيران، وليلقّن الأوروبيين والحاضرين الآخرين درسا في كيفية ممارسة الديمقراطية والدفاع الحقيقي عن حقوق الإنسان!
لم يكن هناك من يجادل باراك أو يقف مقابله كندّ محاور كما جرت العادة في منتديات مماثلة.وحده كان يقف هناك في منتصف القاعة مطمئنا للبيئة التي كانت تلفّه مع مرافقيه الكثر، معتقدا للوهلة الأولى، حسب ما قال أحد الحاضرين، «إنه يخطب داخل الكنيست الإسرائيلي لا في منتدى فكري عالمي».
في الواقع، هذا ما كنتُ أقصده بإشارتي إلى الأداء الدبلوماسي الإسرائيلي، الذي يؤدي دوره، باعتباره الذراع الطولى للجيش الإسرائيلي في العالم بأسره.فالقدرة على استغلال هذا المنتدى كانت حدثا مميّزا، وغياب العرب عنه هذا العام، عن قصد أو إهمال لا فرق، كان بدوره حدثا مكملا واستثنائيا، لكن من الناحية السلبية طبعا.وما عليكم إلا المقارنة وأخذ العبر في منتديات مماثلة حول العالم: حضور إسرائيلي مميّز، وغياب عربي مدوٍّ مستند إلى حجج مختلفة.
إنها للأسف نفس التجربة الخاطئة التي تتكرر في كل مرة، ولا تساهم إلا في عزلة العرب عن دائرة الفكر والمفكّرين، في حين أن المطلوب في الواقع هو عكس ذلك تماما.
ما يزيد الطين بلّة في ما حدث في براغ مؤخرا، هو أن باراك قصد هذه المدينة للتوقيع على سلسلة من الاتفاقيات العسكرية ذات الطابع الخاص، ومنها ما هو مرتبط بتبادل المعلومات الأمنية الحساسة.وإذا أردنا أن نترجم ذلك إلى لغة مفهومة، يمكننا القول بأن إسرائيل استطاعت أن تستفيد من علاقتها مع هذا البلد إلى أقصى الحدود الممكنة، لدرجة أنها أصبحت قادرة على الإضاءة على جميع المواطنين العرب المقيمين فيه، بحجة التعاون الأمني المشترك وتحت غطاء الاستفادة من ذلك لحماية أمنها القومي.ولعلّها قد أصبحت قادرة على الاطلاع على كافة الاتفاقيات الموقعة مع الدول العربية، حتى ما يتعلق منها بالتعاون العسكري.
وكالعادة، قاطع معظم السفارات العربية المنتدى المذكور بسبب وجود باراك فيه، لكنها قامت برصد فعالياته من خلال وسائل الإعلام العادية، وإبلاغ مراكزها بما جرى من خلال المذكرات الروتينية المتعارف عليها.
هل هناك ما يؤلم أكثر من هذا؟
كاتب لبناني
