لماذا منحت لجنة تحكيم جائزة نوبل للسلام ـ وهي لجنة سياسيين مكونة من خمسة أعضاء: ثلاثة من اليسار، واثنان من اليمين، تشكل المجلس الاشتراعي السويدي الذي يرأسه ثوربيون ياغلاند ـ جائزة هذا العام إلى الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي لم ينه بعد السنة الأولى من ولايته، كما أنه لم يحصد أية نتيجة مهمة على الصعيد الدولي؟
منح السياسيون السويديون الجائزة للرئيس أوباما، لأنه منذ توليه الرئاسة في واشنطن عمل على تحسين صورة أميركا في الخارج، بعد ثماني سنوات من غطرسة إدارة بوش السابقة، التي خاضت الحرب ضد الإرهاب من دون الإصغاء لحلفاء الولايات المتحدة، واستمرت في نظام القطبية الأحادية، حيث سمح هذا الموقف الهيمني لواشنطن بوجه خاص، أن تحتكر وحدها المبادرة العسكرية في شن الحرب ضد أفغانستان والعراق، من دون تقديم كشف حساب لأحد.
كما أن الخطب السياسية التي ألقاها الرئيس أوباما في أنقرة والقاهرة، غلب عليها الطابع الفكري ـ الثقافي أكثر من الطابع السياسي المباشر، وهذا أمر مفهوم.
فهو خطاب ثقافي يتعلق بالمفاهيم، على غرار الخطاب الذي ألقاه أوباما في فيلادلفيا سنة 2008 حول المسألة العرقية في الولايات المتحدة، أو خطاب براغ، بداية ابريل 2009، «حول عالم خال من الأسلحة النووية»، لكنه خطاب احتوى أيضاً على ثلاثة محاور أساسية بدت واضحة فيه: هي الواقعية البراغماتية، والبعد الديني، والنظرة التسامحية. وتضمن قضايا أساسية تنوعت ما بين أفغانستان والعراق والصراع العربي ـ الإسرائيلي، والملف النووي الإيراني، والديمقراطية وحقوق المرأة.
من خلال إلقاء خطابه الذكي والمحترم عن الإسلام، بوصفه خطاباً موجهاً إلى العالم الإسلامي، مدّ الرئيس أوباما يد المصالحة نحو مليار ونصف مليار مسلم في العالم، وكسر صورة الخوف المرضي من الإسلام أو «الإسلاموفوبيا» المتأصلة في الوعي الغربي، التي تبرر «حرب الحضارات»، وتتغذى منها الحركات الإسلامية الجهادية. إنه شيء كثير بالنسبة لأول رئيس أميركي أسود في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية.
وعلى نقيض سلفه جورج بوش والمحافظين الجدد، الذين يجهلون كل شيء عن العالم الخارجي، فإن الرئيس أوباما هو رجل العالم، فهو متحدر من أب إفريقي مسلم حيث تجري الدماء الإفريقية في عروقه، وعاش جزءاً من حياته في آسيا، وهو يمثل أميركا المتعددة الأعراق. وبالنسبة لأوباما: «الزعامة الأخلاقية هي أقوى من أي سلاح آخر».
كما أن واقعية أوباما في السياسة الخارجية تنبع من أن سيادة الدول، هي القضية الجوهرية في النظام الدولي الذي يجب أن يكون متعدد الأقطاب وخاليا من الأسلحة النووية، في ظل بروز قوى عظمى جديدة تتطلب إشراكها في حل النزاعات العالمية، مثل روسيا الصاعدة التي تبدو مشابهة بطريقة غريبة للاتحاد السوفييتي، وكذلك الصين والهند والبرازيل.
وهو ما دعاه إلى إعلان إلغاء نشر الدرع المضاد للصواريخ في بعض دول أوروبا الشرقية الذي سمّم العلاقات الأميركية ـ الروسية، وإلى العمل من أجل إيجاد مخرج حقيقي للحرب في أفغانستان، وحل الأزمة النووية الإيرانية عن طريق الانفتاح والحوار.
لقد كافأت لجنة الجائزة الرئيس أوباما، على خطبه السياسية ونياته، التي أشاعت جواً من الارتياح على صعيد عالمي، ولا سيما على صعيد القارة الأوروبية، أكثر منه على إنجازاته، حيث إن أوباما لم يحقق لغاية الآن أي إنجاز فعلي يستحق منحه جائزة نوبل للسلام.
إن أوباما منح جائزة نوبل للسلام مسبقاً بالدفع المؤجل، وبات عليه أن يعمل من الآن وحتى انتهاء ولايته قولا وفعلا من أجل السلام، وأول اختبار حقيقي لهذه الجائزة، هو مدى قدرة أوباما على مواجهة الأزمات المشتعلة، على جبهة الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، من خلال مواجهة اليمين الفاشي الصهيوني، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة كاملة، أولا، وحل الأزمة النووية الإيرانية سلمياً ثانيا، وإنهاء الحرب في أفغانستان، ثالثاً.
ذلك هو المعنى الحقيقي والفعلي لجائزة نوبل للسلام.
كاتب تونسي