تشهد كاليفورنيا حاليا ضجة كبرى حول الماء، فقد قطعت المياه المتعاقد عليها واللازمة لري ثلاثة أرباع مليون هكتار من الأراضي الفيدرالية في مزارع الجانب الغربي من وادي سان جواكين في وسط كاليفورنيا. وقد حولت هذه المياه في معظمها إلى خليج سان فرانسيسكو ذي المياه المالحة والدلتا القريبة منه لتحسين بيئة الحياة البحرية هناك.

وتمثلت نتيجة التخفيضات في تدفق المياه في أنه لم تتم زراعة محاصيل عديدة في وادي سان جواكين، وانخفض دخل مزارع المنطقة، وشطبت وظائف الكثير من العمال الزراعيين، وينتقد أصحاب المزارع والمزارعون اليوم القائمين على البيئة والبيروقراطيين الفيدراليين والقضاة لأنهم كانوا أكثر اهتماما بالأسماك منهم بالبشر وبزراعة المواد الغذائية.

ويرد القائمون على البيئة بالقول إن السبب الحقيقي في قطع تدفق المياه هو الجفاف الحالي، ويذهبون إلى القول إن هناك مطالبات عديدة بكميات محدودة من المياه العذبة مع عدم وجود هامش أمان لاستخدامه في سنوات الجفاف كهذه السنة. والمشكلة ليست إنقاذ أسماك الدلتا الصغيرة، وإنما هي مشكلة أوسع نطاقا، قوامها الحياة وفق ما هو متاح لنا وليس تلويث نظام بيئي هش بطبيعته.

وتغلب الانفعالات على الحجج التي يطرحها الجانبان فالجانب الغربي للوادي ليس «حفرة رملية» كما تقول «فوكس نيوز» وخليج سان فرانسيسكو والدلتا لن يسودهما الكساد على نحو ما يذهب القائمون على البيئة، ولا تزال غالبية أراضي الجانب الغربي من الوادي مزروعة، والخليج لا يزال أكثر نظافة مما كان عليه قبل عقود مضت.

الأزمة لا تدور حول واد بكامله، وإنما حول جزء كبير منه لا يتم إمداده بمياه الري الضرورية والمنتظمة، وبالنسبة لأولئك المزارعين والعاملين في المزارع الذين تعتمد حياتهم على ذلك الجزء من الأرض المحروم من الماء فإن النتيجة هي كارثة على نحو لا سبيل لإنكاره.

إن هذا كله ينبغي أن يذكرنا بأن الأميركيين قد درجوا على عادة سيئة قوامها تجنب الخيارات الصعبة. فقد كان بمقدور أبناء كاليفورنيا بناء المزيد من السدود وشق المزيد من القنوات وزراعة المزيد من المزارع بطرق ري مناسبة، ولكن ذلك من شأنه أن يعني أنهارا أقل تدفقا على نحو طبيعي واسماكا أقل ودلتا أكثر ملحية.

وعلى الرغم من ذلك فإن قلة هم الذين سيقرون بالقول: «إنني أريد عشرة آلاف فدان مزروعة لوزا ولكنني أدرك أن ذلك سيعني دلتا ملحية أكثر قليلا وحياة بحرية أقل» أو على الجانب الآخر: «إنني أصوت لمزيد من اسماك الدلتا ولأنني أدرك أن ذلك سيعني ثمار بندورة أقل».

وبدلا من اتخاذ هذه القرارات الصعبة، فإن الأميركيين يواصلون الحلم بكاليفورنيا طبيعية، بمطر غزير وبسكان يصل عددهم إلى 36 مليون نسمة يتزاحم معظمهم قرب لوس أنجليس أو سان فرانسيسكو. والمسؤولون والقضاة الفيدراليون هم على القدر نفسه من فقدان الذاكرة.

والمشكلات المتعلقة بالمياه في منطقة خليج سان فرانسيسكو لا ترجع فحسب إلى أن المياه العذبة يتم إرسالها إلى مزارع وادي سان جواكين.

إن أبناء شمال كاليفورنيا ورجال الأعمال والقائمين بعمليات التطوير يلقون إلى الدلتا أيضا بالمزيد من المياه المعالجة وبالتالي تمس الحاجة إلى المزيد من الماء العذب للتخلص منها، ومع ذلك فإنه يبدو من الأسهل حجب الماء العذب عن المزارع مقارنة بإصدار أمر للملايين من أبناء شمال كاليفورنيا بتغيير عاداتهم.

وقد كانت الحكومة الفيدرالية هي التي قامت سواء أخطأت في ذلك أو أصابت ببناء السدود وشق القنوات وعمل المضخات للقيام بعمليات تحويل المياه الكبيرة لأغراض الري، ففي وقت من الأوقات كانت الحكومة ترى أن من الصالح العام تحويل الأراضي القاحلة إلى مزارع خضراء منتجة.

وهكذا فإن من الطبيعي أن الحكومة الفيدرالية قدمت الدعم للمحاصيل وعمليات الري لتشجيع قلة من الأفراد على إنشاء أعمال زراعية في إطار شركات كبرى انطلاقا من أراض قاحلة في الجانب الغربي من الوادي.

والآن وقد تحقق حلمها القديم عن المزارع المنتجة والغذاء الوفير والألوف من الوظائف الجديدة، فإن نوعية جديدة من البيروقراطية والقضاء تملك رفاهية التراجع والتساؤل عما إذا كان هذا الاستثمار جديرا بالقيام به.

إن أبناء كاليفورنيا وأميركا، بالطبع، سيتعين عليهم أن يأكلوا مهما حدث لهذا الماء، ولكننا إذا لم ننتج طعامنا ووقودنا فإن أحدا ما سيقوم بذلك نيابة عنا.

ذلك يعني أننا سيتعين علينا أن نكسب أو نقترض مدفوعات السيولة الضرورية من مكان ما لضمان مستوى معيشتنا الراهن. وتعاني الولايات المتحدة حاليا من عجز سنوي قيمته 2 تريليون دولار وعجز تجاري قيمته 32 مليار دولار شهريا. وتحاول كاليفورنيا نفسها الخروج من عجز حديث في الميزانية قيمته 42 مليار دولار.

وما لم نقلل عدد سكاننا أو معدلات استهلاكنا في الولايات المتحدة، فإننا سنضطر إلى استيراد ما نعتبره شيئا مسلما به من مكان آخر.

ويمكننا أن نكون على يقين من أننا حتى إذا وجدنا المال لندفع لمن يبيعون لنا غذاءنا ووقودنا، فإنهم سوف ينتجونهما بشكل أسوأ بكثير مما يمكننا تخيله، الأمر الذي سيضمن أميركا أفقر وكوكبا أكثر تلوثا في آن.

صحافي أميركي متخصص في شؤون الشرق الأوسط

opinion@albayan.ae