إنه انتصار دبلوماسي عربي مشهود، لكنه سيمضي على طريق قد ينتهي به إلى الفيتو الأميركي. والحديث عن القرار الصادر بأغلبية الأصوات عن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بتبني تقرير القاضي ريتشارد غولدستون، الذي يدين إسرائيل بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.
ملابسات القرار لها أكثر من مغزى. قبل انعقاد اجتماع المجلس للتصويت، أصيبت إسرائيل حكومة وشعبا بحالة غير معهودة من الفزع.
وفي تجاوبها مع نداءات الفزع الإسرائيلية، انطلقت الإدارة الأميركية في حملة دبلوماسية محمومة لإحباط مشروع القرار، بوسائل الضغط على الدول الأعضاء في المجلس. وإذن فإن أول مغزى لما جرى بالفعل داخل المجلس، يتمثل في أن النفوذ الدولي الأميركي يتراجع.
والعبرة هنا ليست في أن 25 دولة عضوا من مجموع 47 دولة، صوتت لصالح تبني التقرير، وإنما أيضا في امتناع 11 دولة عن التصويت، من بينها دول أوروبية كالنرويج ودول لاتينية كالمكسيك، وهذا كان في الحقيقة بمثابة تصويت سالب لصالح تقرير غولدستون، من دول تعتبر إما صديقة للولايات المتحدة أو خاضعة لسلطانها.
واستطرادا، يكشف المشهد مدى عزلة إسرائيل في عالم اليوم، رغم ما تتمتع به من حماية أميركية مطلقة. لكن المعركة الدبلوماسية لا تنتهي عند هذا الحد، فهي ستنتقل إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي. وإذا سارت الأمور بسلاسة، فإن من المفترض أن يجد تقرير غولدستون طريقه إلى المحكمة الجنائية الدولية، لكن من المؤكد انه لن تكون هناك سلاسة.
فالفيتو الأميركي سيكون بالمرصاد، للحيلولة دون صعود القضية إلى المحكمة الدولية. هكذا ينبغي على القيادة الفلسطينية والحكومات العربية أن تستخلص أن الولايات المتحدة خصم مبين للعرب، بقدر ما هي شريك مصيري للإسرائيليين. لكن لن تكون لهذا الاستخلاص الحاسم، على أهميته، قيمة إذا لم يترجم إلى تغيير جذري وشامل في التعامل الفلسطيني والعربي مع الدولة العظمى..
وبالتالي مع الدولة الإسرائيلية. قبل صدور قرار مجلس حقوق الإنسان وبعده، ملأت القيادة الإسرائيلية الدنيا ضجيجا، مهددة «بوقف عملية السلام»، وهو تهديد أجوف لأن «عملية السلام» لا وجود لها.
وهنا ينبغي أن تصل قيادة السلطة الفلسطينية إلى استخلاصين نهائيين: أولا: أنه لا تفاوض إلا حول قضايا الوضع النهائي المصيرية. ثانيا: أن التفاوض بدون مقاومة مسلحة تسند المفاوض الفلسطيني، ليس سوى حرث في البحر. حقا إن قرار مجلس حقوق الإنسان انتصار دبلوماسي، ولكن ليس بالانتصارات الدبلوماسية وحدها تحرر الأرض.