البوصلة فلسطينية دائما، فمن يقف مع فلسطين في مواجهة أعتى دولة احتلال معاصرة، تكون الشعوب معه..! والأدبيات السياسية المتطورة لأردوغان تجاه فلسطين، تبين أن بوصلته فلسطينية، وعلى أنه خرج عن طوق ذلك التحالف سيئ الذكر.. فهذا الذي يفعله رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بالفلسطينيين والعرب أمر لا يصدق، فهو يأسر قلوب ومشاعر الشعوب العربية على نحو لم يسبقه له ربما أي زعيم عربي، إذا ما استثنينا الرئيس المصري الخالد عبد الناصر..!
فالوعي الجمعي العربي هو العداء للمشروع الصهيوني مجسدا بتلك الدولة المحتلة المارقة المتمردة على كافة القوانين والمواثيق الأممية والإنسانية، ومن يقف ضد تلك الدولة فهو الصديق والحليف الأقرب للأمة العربية، وهذه مهمة كبيرة عملاقة يبدو أن أردوغان تعملق على نفسه وحملها على كاهله.
فإن يظهر قائد لدولة كبيرة إقليمية متحالفة استراتيجيا مع إسرائيل على مدى عقود من الزمن، وينقلب عليها لينتقدها ويهاجمها ويطالب بمحاكمة مجرمي الحرب فيها، فذلك ليس فقط لم يكن في حساباتها، بل هو انقلاب على كل الحسابات لديها ولدى حليفتها الكبرى..!
فمنذ ما قبل العدوان على غزة وجه رئيس الوزراء التركي انتقادات شديدة ل«إسرائيل كدولة إرهابية»، ومنذ بدايات العدوان لم يتوقف عن انتقادها ومهاجمتها وتمزيق قناعها، على نحو سافر لم تقدم عليه دولة أخرى في العالم..
فوصف أردوغان الموقف الإسرائيلي ب«قلة الأدب تجاه تركيا»، وقال «إن إسرائيل ستغرق بدموع الأطفال والنساء المظلومين الذين قتلتهم، وبدموع الأمهات اللواتي فقدن أطفالهن»، مضيفا أن «الله سيعاقب أولئك الذين ينتهكون حقوق الأبرياء عاجلا أم آجلا» (وكالات ـ 200915)، ووصف العدوان على سكان قطاع غزة بأنه «نقطة سوداء في تاريخ الإنسانية».
وحمل أردوغان مجلس الأمن الدولي مسؤولية استمرار العدوان الإسرائيلي على غزة، ودعا المنظمة الدولية ل«اتخاذ مواقف عملية وإجبار إسرائيل على تطبيق قراراتها»، وقال «إن العالم يتفرج على «المجازر الوحشية» التي ترتكبها إسرائيل في قطاع غزة، ولا يحرك ساكناً «وكأنه يشاهد فيلماً سينمائياً» (الجزيرة ـ 2009112)، ووصف فلسطين بأنها «سجن في الهواء الطلق».
وانتقد العالم الذي طالب بالانتخابات الفلسطينية ولم يحترم نتائجها»، وقال أردوغان أيضا إن «إسرائيل لا تضرب قواعد عسكرية أو مقار عامة للجماعات المسلحة، فحماس أصلا لا تملك منها شيئا.. إن إسرائيل تضرب المناطق السكنية والمستشفيات والمساجد والمدارس»، وأضاف: «الوصايا العشر تقول: لا تقتل، وعلى رغم تلك القوانين الواضحة، بأي دين وبأي نظام قانوني يمكن أن تبرروا مجازر الأطفال الأبرياء؟».
وعاد أردوغان وأعلن مؤخرا بأن «إسرائيل ألقت قنابل فسفورية على المواطنين الأبرياء خلال الحرب الإسرائيلية على غزة، وأصابت الأطفال بشكل متعمد».
وقال: «قنابل الفسفور الأبيض سقطت في غزة على الأطفال الأبرياء، وهناك بعض الدول يحظى الأطفال فيها بتعليم جيد وخدمات صحية مطورة، بينما في أماكن أخرى هناك يأس وفقر وأسلحة ودمار شامل» (13/10/2009). وتوج أردوغان حملته المنهجية ضد إسرائيل بإلغائه مشاركتها في المناورات العسكرية المشتركة. تضاف إلى ذلك جملة أخرى من المواقف التي لا تتسع المساحة هنا لعرضها..
ولكن، على قدر الغضب والقهر والقلق والانزعاج الإسرائيلي من المواقف التركية الجديدة، على قدر ما يصح التنبؤ بصدد تفكك التحالف الاستراتيجي بين الجانبين، فما كان بينهما يبدو أنه سيطوى لصالح فتح صفحة جديدة في تحالفات المنطقة لغير صالح إسرائيل، وربما يكون اتفاق التحالف الجديد بين تركيا وسوريا مؤشرا واضحا ومقنعا.. فماذا تقول ردود الفعل والتقديرات الإسرائيلية في هذه التطورات؟!
المحلل العسكري الإسرائيلي رون بن يشاى، المعروف بصلاته الوطيدة جدا مع المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، علق في يديعوت أحرونوت (14/10/2009) بالقول: «إنّ تركيا المسلمة كانت على امتداد الأعوام حليفا ثابتا وموثوقا لإسرائيل، أما الآن فعلاقاتنا الاستراتيجية معها في هبوط مطّرد».
مضيفا «علينا أن نعترف بحقيقة أن أنقرة، في الوقت الراهن على الأقل، توقفت عن أن تكون شريكا استراتيجيا أمنيا موثوقا لإسرائيل، وهذه الحقيقة تمثّل أصلا ضررا فعليا لأمن إسرائيل القومي، ذلك أنها تقضم ردعنا حيال كل من إيران وسوريا، وكل من ينظر في خريطة المنطقة سيفهم ذلك من دون صعوبة».
وتحت عنوان: «فك ارتباط عن تركيا» كتب الداد باك في يديعوت (12/10/2009) يقول: «من الصعب تجاهل أنه بالذات في الأوقات التي تمد فيها تركيا يدها إلى أعدائها في الماضي، تتخذ الحكومة في أنقرة خطا معاديا، آخذا في التطرف، حيال الحليف الأكبر السابق ـ إسرائيل».
وأفردت صحيفة «إسرائيل اليوم» الإسرائيلية (14/10/2009) تغطية كاملة للتطورات على صعيد العلاقات التركية الإسرائيلية مقابل تسخين العلاقات السورية التركية، وأبرزت الصحيفة قلق اسرائيل من الحلف الاستراتيجي الذي أبرم بين أنقرة ودمشق، وتقرب أنقرة من إيران.
وتطرق وزير خارجيتهم ليبرمان إلى التدهور في العلاقات التركية ـ الإسرائيلية قائلا«إن الأمر ليس متعلقا بنا، وإنما بقرار تركي بالتقرب من محور الشر»، واعتبر ليبرمان« إن هذا الاتجاه ليس جيدا..فهناك توجه تركي بالتقرب من سوريا وإيران وحماس». إذن، نحن أمام تحولات دراماتيكية في ملف العلاقات التحالفية التركية ـ الإسرائيلية، وأمام دور جديد لتركيا ربما يقترب من ملء الفراغ السياسي الأمني العربي في المنطقة..
فأردوغان، وفق الشهادات والاعترافات والتقديرات، يفك الارتباط الاستراتيجي مع إسرائيل، ما من شأنه أن يخل بكافة المعادلات والموازين والخرائط والمخططات والسيناريوهات القائمة والمبيتة للمنطقة العربية والشرق أوسطية، وبمقومات الوجود والاستمرار والهيمنة الاستراتيجية الإسرائيلية في مواجهة العرب على نحو خاص جداً.
وحينما يفك أردوغان الارتباط الاستراتيجي مع تلك الدولة، فأين العرب من كل ذلك؟! مَن مِنَ العرب يحسن استثمار الفرص التاريخية؟! ومن يرتقي من العرب إلى مستوى التحدي واغتنام الفرصة وإعادة صياغة العلاقات العربية التركية ايجابيا، لصالح الأمن القومي العربي المفكك والمهدد بالضياع الاستراتيجي إلى الأبد؟!!
كاتب فلسطيني
