أستميح الأخ والصديق «فريد زمكحل» عذرا لاستعارتي عنوان مقاله الافتتاحي بجريدة «الرسالة» التي تصدر في كندا ويرأس تحريرها منذ صدورها عام 1995 جريدةً سياسية ثقافية فنية اجتماعية مستقلة، تقدم خدمة إعلامية صحفية للجالية العربية المهاجرة هناك، كما أستميحه العذر مرة أخرى لاقتطاف بعض الفقرات من المقال المنشور في العدد 253 من الجريدة كي تتضح الصورة.
يقول الأستاذ فريد زمكحل: («التهديد بالقتل» هذا ليس أفيشا لفيلم سينمائي جديد، أو عنوان قصة بوليسية سوف تطرح في الأسواق قريبا، وإنما مكالمة تليفونية تلقيتها من شخص مجهول جاءت من إحدى كبائن التليفونات العمومية الموزعة في جميع الشوارع والأحياء في المدن الكندية، وهددني فيها صاحبها المصري اللهجة بالقتل اعتراضا منه على مقالي الافتتاحي في العدد السابق ل«الرسالة»...
والذي تعرضت فيه لبعض الجهات والمنظمات التي تحاول الاستعانة ببعض الدول الخارجية، وتحديدا الولايات المتحدة الأمريكية لحل بعض القضايا الداخلية الساخنة في مصر والمطروحة على طاولة الحوار الرسمي والشعبي منذ سنوات، وتتعلق بحقوق الأقليات والديمقراطية والحريات الدينية والعامة).
واضح من الفقرة السابقة أن الأمر يتعلق بخلاف في الرأي أفضى إلى تهديد بالقتل، وهي قضية لها جذور عميقة في تاريخ البشرية، لم تخل منها مرحلة من مراحله التي شهدت فترات كثيرة ارتفعت خلالها وتيرة الخلاف، كما حدث في القرن الثامن الميلادي على سبيل المثال عندما ظهرت فرقة «الحشاشين» التي أسسها الحسن بن الصباح متخذا من قلعة «آلموت» بفارس مركزا لنشر دعوته وترسيخ أركان دولته.
حيث تميزت هذه الطائفة الإسماعيلية النزارية المشرقية المنشقة عن الفاطميين باحتراف القتل والاغتيال لأهداف سياسية ودينية متعصبة، واستمرت إلى القرن الرابع عشر حتى دخلت كلمة الحشاشين (ASSASSIN) قاموس الاستخدام الغربي بمعنى القتل خلسة أو غدرا، أو بمعنى القاتل المحترف.
كانت وسيلة الحشاشين هي الاغتيال المنظم، وذلك عن طريق تدريب الأطفال على الطاعة العمياء والإيمان بكل ما يلقى إليهم، وعندما يشتد ساعدهم يدربونهم على الأسلحة المعروفة ولاسيما الخناجر، ويعلمونهم الاختفاء والسرية وأن يقتل الفدائي نفسه قبل أن يبوح بكلمة واحدة من أسرارهم، وبذلك أعدوا طائفة من الفدائيين بثت الرعب في العالم الإسلامي آنذاك.
نعود إلى مقال الأستاذ فريد زمكحل الذي يضيف: (كان الأشرف للسيد الذي قام بتوجيه هذا التهديد لي أن يكون أكثر تحضرا وأكثر تهذيبا في رد فعله، خاصة واختلاف الرأي لا يجب أن يفسد للود قضية، وكان بإمكانه الرد على الكلمة بالكلمة لأننا مع حرية الرأي وحرية الاختلاف، وحق النشر مكفول لدينا للجميع؛ لمن يتفق معنا أو يختلف...
وأحب أن أقول بصراحة، لا خوفا من تهديد أو وعيد، بأن تهديده لم يزعجني ولم يقلقني بقدر ما جعلني أشفق على الخط الجديد الذي بات يتبناه البعض من الإخوة المسيحيين، ويسيء للفكر المسيحي الذي لا يعرف التطرف ولا يؤمن بالإرهاب والترويع لإقرار الحقوق المشروعة، ولكن سرعان ما اكتشفت أنه من الطبيعي أن أتعرض لما تعرضت له، خاصة بعد أن قرر البعض ممن هم على شاكلة هذا الشخص الخروج على تعاليم الكنيسة الأرثوذكسية).
نحن هنا إذن أمام خلاف مسيحي مسيحي، حيث ينتمي الأستاذ فريد زمكحل إلى التيار المصري المسيحي الأرثوذوكسي المعتدل الذي يؤمن بأن (الطريق ما زال طويلا ويحتاج للكثير من الوقت ومن الحكمة، خاصة في ظل انتشار هذا الكم الهائل من التطرف الديني الذي أصبح سمة من سمات المجتمع المصري للأسف الشديد، ويحتاج للكثير من الوعي والكثير من الحكمة والكثير من الصلاة لمواجهته وردعه بالصورة الصحيحة).
كما جاء في المقال نفسه، حيث إن (إبقاء الوضع على ما هو عليه بات يمثل تهديدا صريحا للأمن القومي المصري سواء داخليا أو خارجيا، يرفضه المعتدلون من الأقباط والمسلمين والمسيحيين على كافة المستويات الرسمية أو الشعبية أو الدينية، ولكن علينا على الجانب الآخر أن ننظر لما يمكن أن يكون عليه الواقع المصري في حال استبدال الحوار العاقل والبنّاء بطلقات الرصاص التي لا تميز ولا تفكر).
بينما ينتمي صاحب التهديد عبر المكالمة التليفونية مجهولة المصدر إلى فرقة «الحشاشين» ذات الأصول الإسلامية المتطرفة ـ رغم كونه مسيحيا ـ لأنه يمارس نشاطه في الكهوف المظلمة، ويرسل تهديداته عبر الأسلاك، ويتوعد بالقتل، كما يفعل بالضبط غلاة المتطرفين المسلمين الذين يرسلون رسائلهم عبر الشرائط المسجلة، ويفجرون أنفسهم وسط الجموع الآمنة، غير مفرقين بين مسلم وغير مسلم، لا لشيء سوى أنهم يختلفون معهم في الأفكار والرؤى والأساليب.
وهكذا يتأكد لنا يوما بعد يوم أنه لا ملة ولا وطن ولا عصر للإرهاب والتطرف، ومخطئ من يعتقد أنهما مرتبطان بالجهل، فقد كان الحسن بن الصباح ـ كما يذكر المؤرخون ـ عالما بالهندسة والحساب والنجوم والفلسفة، ومع ذلك ارتبط اسمه بتأسيس أشهر فرقة عرفت بالقتل والاغتيال وخاضت في بحور من الدماء.
كما يخطئ من يظن أن التطرف والإرهاب يستوطنان الدول والمدن الفقيرة والمتخلفة فقط، فمثلما ينشط المتطرفون والإرهابيون في مجاهل إفريقيا وكهوف آسيا، نجدهم ناشطين أيضا في أكثر دول العالم تقدما ورفاهية، فها هو صديقنا المقيم في كندا يتعرض للتهديد بالقتل من قبل واحد من أبناء طائفته لأنه قال رأيا لا يتفق مع رأيه، تماما كما يقع عشرات القتلى المسلمين في العراق وباكستان وغيرهما من بلاد المسلمين، بأيدي مسلمين ينطقون بالشهادة مثلهم، لكنهم يدينون بفكر متخلف يجد من يؤمن به ويروج له.
ولكن مهما بث المتطرفون من رسائل، فسوف يبقى أصحاب الأقلام الحرة الشريفة ثابتين على مواقفهم (لأن العمر واحد والرب واحد والوطن واحد للجميع)، كما ختم صديقنا فريد زمكحل مقالته التي بدأنا بها، وكما نختم نحن أيضا متفقين معه.
كاتب اماراتي