يعتقد كثيرون بأن ماضي العرب القريب أفضل من حاضرهم، وبخاصة الذين عاشوا النصف الثاني من القرن العشرين، فلماذا يعتقدون ذلك، ويتمنون عودة تلك الأيام لأنها برأيهم تمثل الانطلاقة الحقيقية للنهضة العربية، قبل انتكاستها وهزيمتها التي نعيشها ونعيش تداعياتها؟
ويمكن هنا أن نتحدث عن إيجابيات وإنجازات على المستوى العربي، كما يمكن الحديث عن إخفاقات العرب. بيد أنه سيتضح أن الايجابيات في الماضي، في الخمسينات والستينات حتى منتصف السبعينات من القرن العشرين، هامة وإستراتيجية، في الوقت الذي نعيش إخفاقات الحاضر التي قضت على إيجابيات الماضي، وستؤثر سلباً على مستقبل العرب.
ونعلم مسبقاً أنه من الصعب إجمال كل تلك القضايا والإشكاليات في مقالة كهذه، ولكنها محاولة للتركيز على أهمها وباختصار، وهي بدون شك تحتاج إلى دراسة وتحليل أكبر وأعمق.
بداية، مسألة القيم التي كانت سائدة في العالم العربي في الماضي الذي نعنيه، كانت في معظمها إيجابية بعد النضال والحماس من أجل استقلال الدول العربية وتطورها، فلقد كانت قيمة الإنتاج في فكر وممارسة الإنسان العربي أكثر من الاستهلاك، ولذلك وجدنا عدداً من الدول العربية كانت تحقق نسبياً الاكتفاء الذاتي في الموارد الاقتصادية، خاصة في الزراعة، لا بل وتقوم بتصدير منتجاتها للخارج، على الرغم من أن الظروف السياسية لم تكن في الغالب مناسبة.
ولقد كانت العلاقات الاجتماعية في الدول العربية في الأسرة في القرية والمدينة، علاقات إنسانية ممتدة وجيدة يسودها التعاون والتكافل بصورة عامة، وكان المجتمع في كل قطر عربي قد تجاوز التعصب القبلي والطائفي الذي كنا نعيشه قبل ذلك، والذي نعيشه اليوم في أقطارنا العربية، وعلى مستوى فهم وممارسة التدين، فقد كان الناس صادقين في العموم في تدينهم الطبيعي الفطري.
وليس كما هو اليوم في التدين الذي تقوده جماعات «الإسلام السياسي»، كما كانت في تلك العقود تبني وترسخ أسس الدولة المدنية القائمة على الدستور والقوانين، واليوم يبذل جهد محموم لتقويض ذلك وإقامة الدولة الدينية، وقد شهدنا أمثلة على حكم الدولة الدينية الفاشل في أفغانستان وغيرها، ولقد كان الفساد في العقود الماضية التي نعنيها أقل، مع رغبة شعبية حقيقية في الإصلاح.
كان عدد السكان قليلاً وموارد بلداننا العربية مناسبة لعدد السكان، أما الآن فنعيش انفجاراً سكانياً وكثافة عالية، حيث تضاعف عدد السكان في دولنا العربية عدة مرات في فترات زمنية قصيرة. وكانت المياه العذبة متوفرة وفي الغالب مجانية، وهي اليوم شحيحة وملوثة وتنذر بكوارث وحروب.
وعندما نلقي نظرة على التعليم النظامي الحديث حينها، فقد كان نخبوياً ونوعياً، على الرغم من الأمية في عدد من الأقطار العربية، والتعليم اليوم كمي ومسطح وخالٍ من القيم الجيدة والثقافة. لقد كانت بعض دولنا العربية واحات للحرية والديمقراطية المعقولة، وعاشت بعدها فترات دكتاتورية وحروباً أهلية ولا تزال.
وحين نلتفت إلى عقود مضت مثل الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن العشرين، نرى رموزاً فكرية وفنية وأدبية وسياسية لا يوجد مثيل لها في حاضرنا، أو لنقل منذ بداية الثمانينات من القرن العشرين حتى الآن. ولا نريد أن ندلل على ذلك بذكر أسماء، لأن القارئ الكريم يدرك ويعرف تلك الأسماء.
ويمكن أن نثير السؤال التحدي في هذا الصدد بالقول: اذكروا لنا أسماء مفكرين وفنانين وشعراء وسياسيين الآن، أمثال رموز هذه المجالات في الخمسينات والستينات والسبعينات؟ وبالرجوع لتلك العقود كذلك نجد وعياً سياسياً جيداً، وشعوراً وطنياً وقومياً قوياً بالانتماء والرغبة في البناء، فأين ذلك اليوم؟
لقد تغلبت المصالح الشخصية والمادية على المصالح العامة والعمل من أجلها، وأصبح الانتماء قبلياً وطائفياً، وانكشفنا على حقيقتنا التي كانت تغلفها شعارات وخطاب إنشائي غير حقيقي! فالعرب ليسوا أمة أو وطنا أو حضارة، وإنما قبائل وطوائف تعيش مرحلة الصراع والتخلف، ولم يدخلوا تاريخ التقدم بعد.
لقد كانت لدينا مؤسسات مجتمع مدني واعدة، وعلى الرغم من زيادة أعدادها إلا أنها فارغة وسطحية وغير فاعلة. وحتى المقاومة العربية ضد العدو من أجل التحرير، أصبحت صراعاً على السلطة ومن أجلها، وضاع ذلك الهدف النبيل أو كاد. لقد أفرغنا الاستقلال الذي كان يعني التنمية والحرية والتقدم من محتواه، وأصبح لدى الكثيرين استغلالاً وتأخراً واستبداداً.
هذه هي المقارنة لبعض قضايانا في الماضي القريب مع الحاضر الغريب، وماذا بعد؟ ومنذ استقلال الدول العربية حدثت تحولات هامة وانجازات لا بد من ذكرها كذلك، تضاف إلى ما سبق عند المقارنة بين ماضي العرب القريب وحاضرهم.
لقد تم وضع دساتير دائمة ومؤقتة لأغلب الدول العربية وبعضها قبل استقلاله، وتم تأميم قناة السويس، وتأميم النفط والبنوك، واندلعت المقاومة الفلسطينية بعد حرب 1967م، وحققت دول عربية إنجازات علمية واجتماعية واقتصادية وثقافية، وحققت المرأة العربية إنجازات على مستوى حقوقها السياسية والاجتماعية، واستخدم النفط سلاحاً سياسياً في حرب 1973م، وتحقق اتحاد دولة الإمارات في بداية السبعينات من القرن العشرين.. ماذا حدث لذلك المد منذ منتصف السبعينات من القرن العشرين؟
كانت آثار حرب 1967م تراجعاً عربياً في كل المجالات، ولها تأثيرات استمرت فترة زمنية طويلة. اتفاقية سلام كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، حرب أيلول الأسود في الأردن، حرب أهلية لبنانية مدمرة استمرت خمسة عشر عاما، حرب عراقية إيرانية في الثمانينات من القرن العشرين، غزو عراقي للكويت عام 1990م وحرب تحريرها 1991م، حرب إسقاط نظام صدام حسين في العراق عام 2003م، سقوط التيار القومي العربي وسيطرة التيار الديني وقوى الإسلام السياسي منذ الثمانينات من القرن العشرين، هجرة آسيوية هائلة وغير مسبوقة غيرت من التركيبة السكانية في دول الخليج العربية منذ منتصف السبعينات من القرن العشرين، تردي التعليم على كل المستويات في العالم العربي، وضحالة ثقافية وتشتت وتشرذم عربي، محاولات لتقسيم عدد من الدول العربية على أساس عرقي وطائفي..
وفي النهاية يمكن القول إن ماضي العرب القريب في الخمسينات والستينات حتى منتصف السبعينات، كانت الإيجابيات فيه تغلب على السلبيات، ولكن حاضر العرب منذ ذلك التاريخ حتى اليوم تطغى عليه السلبيات. وذلك يعنى أن العرب بحاجة إلى تحولات كبيرة وتجديد للفكر، والتركيز على مشاريع إستراتيجية للنهضة، لكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه.. فحالنا يدعو للألم، ولكن ليس لليأس.
كاتب كويتي