العلاقة بين الشرق والغرب تتغير، والعلاقة بين الشمال والجنوب تتغير، لاستعادة التوازن الدولي.. وما يسميه الغربيون «الشرق الأوسط» أيضاً يتغير لاستعادة التعاون الإقليمي، باتجاه استعادة الذات ورفض الهيمنة والوصاية الأجنبية، وإسقاط المشروعات الاستعمارية، كالمشروع الصهيوني «الشرق الأوسط الجديد»، والمشروع الأميركي «الشرق الأوسط الكبير»، في الطريق إلى صياغة مشروع إقليمي دولي جديد بإرادة عربية وإسلامية جديدة، شرقية لا غربية.
وترجمة لذلك تشهد منطقتنا حالياً تحركاً استراتيجياً جديداً بقاطرة ثنائية جديدة تركية ـ سورية، وتشمل علاقات تركية عراقية، وسورية إيرانية، وإيرانية عراقية، وسورية سعودية بأبعاد استراتيجية، لملء الفراغ الإقليمي الذي يسمح بالتغول الدولي، ولتشكيل منظومة إقليمية جديدة للتعاون الاستراتيجي، بما يشكل مقدمات ميلاد شرق جديد جدا، وشرق كبير جدا، لا هو صهيوني.
ولا هو أميركي، بل في إطار فضاء إقليمي إسلامي جامع.. لا هو عرقي ولا طائفي ولا مذهبي ولا أيديولوجي، ويضم ما هو عربي وطوراني وفارسي وكردي، وما هو سني وما هو شيعي، وما هو علماني وما هو إسلامي، في صيغة ليس فقط للتعايش المشترك، بل للتعاون المشترك، تجمعه وحدة الجغرافيا وتربطه وحدة التاريخ، وتتطلبه المصلحة المشتركة، وتفرضه إرادة إقليمية مشتركة للتغيير والتصحيح.
ما يجري في الشرقي العربي والإسلامي حاليا، يشكل بداية لطي صفحات تاريخية من العداء المفتعل والجفاء المتبادل، ويهدم الجدران الوهمية الفاصلة بين القوميات والمذاهب التي بناها الغربيون، ويفتح الحدود المصطنعة المانعة لكل أفق تكاملي لمصلحة شعوب المنطقة، ويرسم خرائط جديدة للتحالفات الإسلامية، على أنقاض الخرائط الاستعمارية القديمة التي رسمها المستعمرون «سايكس وبيكو» لتقسيم مناطق النفوذ، بعد تفكيك الدولة العثمانية بالقوة العسكرية الغربية في الحرب العالمية الأولي..
هذه الدولة الإسلامية الكبرى التي كانت تمتد على معظم ما يشكل اليوم الوطن العربي، وفي وسط آسيا وجنوب شرق أوروبا بعد فتح القسطنطينية وهزيمة الإمبراطورية البيزنطية المهيمنة، بقيت رغم كل الملاحظات الحقيقية والدعائية عليها، هي حامية المنطقة العربية من الاستعمار الأوروبي، وحامية فلسطين من الاستعمار الصهيوني، وآخر شكل من أشكال الوحدة الإسلامية.
.. وهذه «الدولة العلية العثمانية» التي حكمت من تركيا آسيا الصغرى والحجاز والعراق والشام في آسيا، ومصر والسودان والمغرب العربي والصومال في إفريقيا، والبلقان والنمسا وإيطاليا ورومانيا وبلغاريا وأرمينيا وجورجيا واليونان في أوروبا، لم تعرف الجدران الوهمية بين قومية وأخرى، ولا الحدود المصطنعة بين ولاية وأخرى، بل جمعت تحت مظلة إسلامية في داخلها كل القوميات المتنافسة الآن بما يشبه الحروب القبلية لتقسيم الأمة!
هذه الحقائق التاريخية لا تعني دعوة لإعادة بناء الدولة العثمانية القديمة بقيادة تركيا في عهد أحفاد العثمانيين، فحركة التاريخ لا ترجع إلى الوراء، بل هي دعوة للاستفادة من دروس الماضي لإعادة تصحيح الحاضر، في الطريق لإعادة صياغة المستقبل، ببناء منظومة إقليمية جديدة تتعالى على العصبيات العرقية والتشنجات المذهبية، تجمع دولها وحدة الجغرافيا، وتشد أجزاءها روابط التاريخ.
وذلك يفرض رؤية استراتيجية، تقوم على التكامل من أجل التنمية المشتركة والأمن المتبادل والمصالح المشتركة والتعاون المتبادل.. هذه المرة بعيدا عن المشاريع التقسيمية والأجندات الأجنبية، الهادفة إلى الهيمنة الغربية على كل المنطقة بقيادة إسرائيلية، لتحقيق المصالح الاستعمارية على حساب ما هو عربي وإسلامي.