في حملته الانتخابية، وقبل فوزه في الانتخابات اليابانية الأخيرة وفي أجرأ برنامج انتخابي، وعد رئيس الوزراء الياباني الجديد «هاتوياما» بإعادة النظر في وضع القواعد العسكرية الأميركية في اليابان، وبوقف الإمدادات للأسطول الأميركي في المحيط الهندي، والذي يقدم الدعم للعمليات العسكرية الأميركية في حربها ضد أفغانستان، كما انتقد بخلفيته الاشتراكية في مقالة صحافية بالإنجليزية «مذهب السوق المنفلتة من عقالها والتي تقودها العولمة الأميركية».

تلك الانتخابات التي قلبت المعادلات، وصفها الكثيرون بأنها أكبر من مجرد «زلزال» وأقل من وصف «تسونامي»، وأكبر من «انقلاب» سياسي وأقل من «ثورة» ديمقراطية، انتهت بصعود حزب يسار الوسط «الديمقراطي الياباني» وفوزه لأول مرة وبأغلبية كاسحة، وبسقوط الحزب الحاكم «الليبرالي الديمقراطي» الذي انفرد بحكم اليابان وحده منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ولأكثر من نصف قرن، بعد قصفها بالقنابل الذرية الأميركية لإجبارها على الاستسلام، والوقوع تحت التبعية والحماية الأميركية.

ونهاية الأسبوع الماضي أعقب «هاتوياما» القول بالفعل، إذ أعلن وزير الدفاع الياباني ان حكومة اليسار المعتدل الجديدة ستعيد النظر في وضع القواعد العسكرية الأميركية في اليابان، لأنها تعتبرها «إهانة» للشعب الذي يأمل من الحكومة الجديدة تغيير «السياسات القديمة»، وأنه سيبحث ذلك مع وزير الدفاع الأميركي في أول زيارة له إلى طوكيو بعد أيام، وذلك يعني حسب وزير الدفاع الياباني إعادة النظر بالتالي في «المعاهدة الأمنية» بين الولايات المتحدة واليابان التي وقعت غداة الحرب العالمية الثانية، وصياغة علاقات جديدة بين البلدين تستجيب لمتطلبات المتغيرات الجديدة في الوقت الحاضر.

ليس هذا فقط، بل استبق نائب الوزير الياباني زيارة الوزير الأميركي بأيام وزيارة الرئيس أوباما بعد شهر، بإبلاغ واشنطن رسميا في لقائه بنظيره الأميركي في واشنطن، بأن بلاده ستتوقف عن تزويد قوات الحلف الأطلسي في المحيط الهندي بالماء والوقود اعتبارا من أول يناير المقبل، في وقت يصل المأزق الأميركي والأطلسي في أفغانستان في الذكرى الثامنة للغزو إلى الحالة الحرجة، بينما تعتزم اليابان إطلاق مشاريع إنسانية جديدة ومساعدات للتنمية في أفغانستان.

واللافت للنظر أن الإدارة الأميركية برئاسة «أوباما»، الذي كان فوزه في الانتخابات الأميركية تحت شعار «التغيير» هو أيضا أشبه بالزلزال السياسي في الولايات المتحدة، لم يصدر عنها حتى كتابة هذه السطور رد فعل يعبر عن الغضب على القرار الياباني، غير أن الخارجية الأميركية عبرت عن الأمل في أن «تجد طوكيو وسيلة» لاستمرار مساعدتها لقوات التحالف، مؤكدة أن «اليابان هي التي تقرر ما ستفعله في المستقبل»، بينما وصفت رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي هذا القرار الياباني بـ «بالقرار المزعج».

هكذا قال اليابانيون «لا» مرة أخرى، بعد أكثر من نصف قرن من الاستسلام والتبعية، لكن هذه اللا اليابانية تدشن عهداً جديداً من التغيير في المعادلات الإقليمية في آسيا، مع الصعود الصيني المجاور لليابان الذي كان الشاغل الرئيسي للولايات المتحدة في هذه المنطقة، ومع التحدي الكوري الشمالي النووي القريب من اليابان، ومع التحديات الإيرانية والامتدادات التركية، وأيضا في المعادلات الدولية في المحيطين الهندي والأطلسي.. بما يجعلنا نتساءل عما إذا كان تحرك الزلزال السياسي في بلد سكنت فيه الزلازل، إنذارا بالتحول إلى تسونامي في محيط تحيطه تلك الأعاصير؟