دعوة الرئيس اليمني علي عبدالله صالح إلى المزيد من اللامركزية وتعزيز السلطات على المستوى المحلي في البلاد، ينبغي أن تلقى تجاوبا إيجابيا من قادة التمرد المسلح في الشمال والحركة الاحتجاجية الانفصالية في الجنوب. وفي الوقت نفسه ينبغي على الرئاسة اليمنية أن تخطط لترجمة دعوتها إلى خطوات سياسية عملية.
إن على قادة التمرد في الشمال أن يدركوا أن الحرب الدائرة لن تحقق أهدافا سياسية. وعلى القادة الانفصاليين في الجنوب أن يعرفوا أن الحالة اليمنية تختلف عن الحالة السودانية. وفي الوقت نفسه فإن على الحكومة اليمنية أن تكون على استعداد لانتهاج سبيل التفاوض السياسي السلمي، سواء مع قادة الحوثيين في الشمال أو قادة «الحراك الجنوبي» في الجنوب.
في السودان توقفت الحرب بين الشمال والجنوب بموجب عملية تفاوضية، انتهت في عام 2005 إلى توقيع اتفاق سلام ينص على منح شعب الجنوب حق تقرير المصير من خلال أحد خيارين: إما مواصلة الوحدة مع الشمال أو الانفصال الكامل، وبالتالي تحول الجنوب إلى دولة مستقلة تماما. لكن هناك اختلافا بين حالة السودان وحالة اليمن، رغم أن جنوب اليمن سبق أن كان دولة ذات سيادة.
على مدى 58 عاما منذ بداية الاستعمار البريطاني وحتى إعلان الاستقلال في عام 1956، كان السودان كيانا موحدا، لكنها كانت وحدة مفتعلة غير طبيعية بسبب تناقضات أساسية بين أهل الشمال وأهل الجنوب:
عرقيا.. الشمال عربي والجنوب إفريقي زنجي.. وبالتالي هناك تناقض ثقافي.. فبينما يتحدث أهل الشمال بلسان عربي، فإن أهل الجنوب يتحدثون بلغات قبلية إفريقية. وهناك أيضا تناقض ديني: الشماليون مسلمون بينما غالبية الجنوبيين وثنيون.
مثل هذه التناقضات لا تنطبق على الحالة اليمنية، وبالتالي فإنه لا توجد مسوغات موضوعية للدعوة الانفصالية في الجنوب اليمني. فالجنوب والشمال معا تربط بينهما وشائج عرقية وثقافية ودينية، يدعمها تاريخ مشترك وتراث عربي إسلامي على مدى قرون متصلة.
ربما تكون لأهل الجنوب اليمني خصوصية ما، لكن حتى لو وجدت هذه الخصوصية فإنها لن ترقى إلى مستوى المطالبة بانفصال كامل.
من هنا ينبغي أن نتفهم دعوة الرئيس علي عبد الله صالح إلى المزيد من اللامركزية التي لا تبلغ حد الانفصال. وربما يكون من الملائم تطبيق نظام فيدرالي.
لكن في كل الأحوال فإن على السلطة المركزية أن تطرح دعوة إلى عملية تفاوضية سلمية.. وعلى القيادات في الشمال والجنوب التجاوب معها إذا طرحت فعلا.