تزامن الموافقة على تقرير غولدستون، مع تأجيل التوقيع على المصالحة الفلسطينية؛ يجافي المنطق والصواب. الطبيعي كان، بل الضروري؛ أن تتصادف لحظة التصويت على التقرير مع الإعلان عن اتفاق الأطراف الفلسطينية على موعد نهائي، لطي صفحة الانقسام. التأجيل، عدا عن أنه خطف جزءا من وهج اللحظة ووقعها؛ لا يستقيم مع المكسب الذي تحقق. صحيح، أن الخلاف بين«فتح» و«حماس»، لا يقلّل بالضرورة من أهمية التقرير؛ كنقطة تحوّل في فضح ولجم إسرائيل. لكنه قد يهدّد ما تحقق في مجلس حقوق الإنسان، إذا ما بقي ؟ أي الخلاف - على حاله. ناهيك إذا ما تفاقم.
عملية وضع إسرائيل في قفص الاتهام، اجتازت الخطوة الأولى. متابعتها لن تكون سهلة. دفعها إلى الأمام مرهون بمواقف أطراف عديدة. على رأسها الدول التي لا تتوقف عن إعلان حرصها على قضية حقوق الإنسان وتزعم بأنها تجعل منها ركناً من أركان سياستها الخارجية وعلاقاتها مع الآخرين. الذي لا شك فيه، إن استمرار الانقسام الفلسطيني يجعل من السهل على هذه الدول عرقلة سير التقرير ومنعه من تحقيق الغرض في ملاحقة إسرائيل لتدفيعها ثمن عربدتها وجرائمها.
والعكس صحيح. فهذه العواصم، من واشنطن إلى أوروبا، اتسمت مواقفها إزاء التقرير؛ بالخبث المفضوح. كل صراخها وزعيقها، بخصوص حقوق الإنسان في العالم؛ اختفى لحظة التصويت على تقرير دولي محايد؛ فقط لأنه أشار بإصبع الاتهام إلى إسرائيل كمرتكب لجرائم حرب. ولا فرق، في الحصيلة، بين من صوّت ضدّ وبين من امتنع أو تنازل عن حقه في التصويت. فهم ضد وضع تل أبيب في قفص الاتهام. سياسة الكيل بمكيالين إياها.
لكن مع ذلك يبقى للموافقة أكثر من مدلول إيجابي. فهي تشي بأن الكيل طفح لدى المجتمع الدولي من انتهاكات إسرائيل وتعاليها على القوانين الدولية. كما أن تمرير التقرير بأغلبية وازنة، من شأنه أن يصبّ في تعزيز وضع الهيئات الدولية ومرجعيتها. خاصة في مثل هذه الحالات.
الآن من المفترض أن تنتهي الضجة حول الخطأ الذي حصل في التعامل مع هذا التقرير، عند التصويت الأول حوله. الخطوات التالية، معاركها صعبة. الجمعية العمومية للأمم المتحدة، مدعوة للنظر فيه.
إسرائيل باقية في دائرة الضوء، خلال الأشهر الستة القادمة؛ للتأكد من مدى التزامها بالتقرير الذي طالبها القيام بتحقيق، تحت إشراف دولي، في الاتهامات الموجهة لها والارتكابات التي قامت بها أثناء العدوان على غزة. خلال هذه المدة، مطلوب تحشيد الطاقات لتعزيز المطاردة الدولية لإسرائيل؛ وفي القلب منها الإسراع في المصالحة لاستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية، التي يتعذر بدونها كسب هذه المعركة.
