المراقب للمشهد الحضاري في الإمارات عموما وفي دبي خصوصا، لا تستوقفه المشاهد المادية فقط بل الإنسانية أيضا، فلا تستوقفه أعلى الأبراج العمرانية فقط، وإنما أغلى الصروح البشرية أيضا، ففي جانب من الصورة يطل أكثر من مشهد مثير للإعجاب كعلامة على التطور الحضاري المادي مثل «برج دبي» أعلى برج في العالم، ومترو دبي المعلق، وجزيرة النخلة، وغيرها بما يعكسه ذلك من طموح، يسابق الزمن لا لكي لا تتخلف فقط عن السباق الحضاري بين الأمم، بل أيضا وهذا هو الأهم لكي نتقدم أسرع حتى تكون دائما في الصف الأول للمتسابقين.
والمشاهد الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية في الإمارات لا يمكنها وحدها أن تستأثر بالمتابعة وبالإعجاب إذ تتواكب معها العديد من المشاهد والصروح والمبادرات الإنسانية والثقافية والإعلامية، ليس فقط على المستوى الوطني بل أيضا،وهذا هو الأهم، على المستوي العربي، وبلغت هذه المبادرات قمتها في المبادرة التنموية الإنسانية الحضارية التي قدمها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في المنتدى الاقتصادي في عمان.
وفي مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للتنمية الإنسانية وفي مدن الإعلام والانترنت والمعرفة ومراكز البحث العلمي، وفى الجامعات والمدارس ومؤسسات المعرفة والتنمية البشرية، وفي منتدى الإعلام العربي،وفي المنتدى الاستراتيجي العربي، وفي جائزة دبي للقرآن الكريم، وفي جائزة الصحافة العربية، فقد نشر علما ينتفع به في بناء الرجال، ليبقى في كل آن هو الأغلى من كل مال، وهذا مالا ينقطع به عمل خير على مر الزمان، وهو الرصيد الباقي للإنسان، الأبقى من كل سلطان، والأعلى من كل بنيان!
وهو في رؤيته العامة يهدف إلى التوازن في عملية التقدم بحيث نبني الإنسان أولا ليصبح القادر على بناء أعلى الأبراج، ويرى دائما أن الإنسان الذي هو الغاية من كل تنمية، هو الوسيلة في الوقت نفسه لأي تنمية، ولذلك أضحت التنمية الثقافية القائمة على تنمية المعرفة وتطوير التعليم هي أساس التنمية الإنسانية للمجتمع، التي هي الأساس الحقيقي للتنمية الشاملة الاقتصادية والاجتماعية.
ولأن سموه يرى أن الإنسان العربي المثقف هو الإنسان المتعلم أولا، والمشحون بالمعارف العصرية العلمية والتكنولوجية ثانيا، وهو القادر ثالثا ، على التفكير والعمل بالإبداع والعطاء نظريا وعمليا بما يتجاوز دائرة مصالحه الذاتية الضيقة إلى دائرة المصالح الوطنية والعربية والإنسانية في آن معا.
من هنا، وحين يعلن الدكتور سليمان الهتلان الرئيس التنفيذي للمنتدى الاستراتيجي العربي الذي يمثل منصة حيوية لصانعي السياسات للتواصل وتبادل المعارف المتعلقة بمختلف القضايا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية العربية، أن المنتدى تحت مظلة مؤسسة «محمد بن راشد» وبالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي سيباشر أولى فعالياته في دورته القادمة في دبي بإطلاق «تقرير المعرفة العربي» يوم 28 أكتوبر 2009.
إضافة إلى سلسلة الجلسات النقاشية تحت عنوان «نحو إقامة مجتمع المعرفة في الوطن العربي» بمشاركة ثلاثين باحثاً ومفكراً من العالم العربي.. ندرك على الفور أن الهدف هو بناء «مجتمع المعرفة والفكر العربي» وهو هدف نبيل يستحق أن نسعى إليه.
هكذا تترابط حلقات عملية التقدم والتنمية في الرؤية العامة للتنمية الحضارية في دبي، بحيث تغدو التنمية الثقافية هي أساس التنمية البشرية، التي هي أساس تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
كاتب مصري