في مواجهة الإرهاب يشكل البحث والعمل من أجل استراتيجية إقليمية ودولية وعربية ضرورة ملحة عنوانها الأساسي أنه لا يمكن تحقيق هذه المواجهة والنجاح فيها دون تعاون وتنسيق سياسي وأمني جاد وشفاف وحقيقي، وغير خاضع للشخصنة والمزاج والمصالح الضيقة الانتخابية والحسابات السياسية، فالإرهاب داء لا يميز بين الناس والاتجاهات السياسية.
وهو بطبيعته البنيوية والاستنزافية عابر للحدود ولا يقيم وزناً للقيم الدينية أو الأخلاقية أو التربوية إطلاقاً، وقد تعاملت سورية مع قضية الإرهاب بموقف مبدئي وثابت عنوانه الحقيقي أن مواجهة الإرهاب يجب أن تكون على قاعدة راسخة مفادها الجوهري: أنه ليس هناك إرهاب مقبول وإرهاب مرفوض لا في الزمان ولا في المكان ولا في الأدوات ولا في الأهداف طبعاً، ولا في المقدمات ولا في النتائج.
لأن الإرهاب يشكل حالة خارجة عن القانون والأعراف والأصول والمبادئ ولا يجوز لأحد كان فرداً أم مؤسسة أم دولة أن يكيّفه جمعاً أو تفصيلاً أو شخصنة وفق هوى سياسي أو مزاج آني أو غاية مؤقتة، وعليه تدرك سورية أن خيار التنسيق الأمني والسياسي مع العراق يجب ألاّ يخضع إطلاقاً لأي تفكير شاذ أو منطق خاص أو تأويلات مؤقتة أو استنتاجات فردية أو شخصية أو خلافات طائفية مهما كانت الاحتياجات السياسية أو الانتخابية أو التناقضات المحلية ملحة أو حادة أو طارئة.
وعليه فإن سورية عندما أدانت تفجيرات الأربعاء الدامي بتاريخ 19/8 في بغداد لم تكن تدينها لمزاج سياسي أو لغاية آنية، بل كان موقفها يستند شكلاً ومضموناً على قضية مبدئية وفهم أصيل ورفض قاطع للإرهاب بكل صوره ونماذجه ودوافعه، وعندما قالت سورية إنها تنتظر من الجانب العراقي ملفاً واضحاً وأدلة حاسمة على ما قاله بعض الأطراف في العراق، فإنها تنطلق حقيقة من موقف أخلاقي وقانوني قبل أن تنطلق من أي شيء آخر سياسي أو دبلوماسي على أهميتهما.
وعندما شجعت سورية الحكومة العراقية على المناقشة والحوار في هذه المسألة، فلأنها أيضاً تنطلق من موقف الحريص على وحدة العراق وأمنه وسلامته قبل أي سبب آخر...
وأي تفسير، مهما قلّ شأنه أو علا ومهما كان بسيطاً أو معقداً للموقف السوري يخالف هذه الثوابت السورية وهذه المنطلقات السورية، يبقى في واقع الأمر مجرد محاولة لا تعكس أبداً حرصاً على أمن العراق وسلامته ولو زعم ذلك قائلوها، وأي جهد يبذل في سبيل تصوير الموقف السوري خلاف حقيقته المبدئية والأخلاقية سيكون أيضاً محاولة في التنكر للمعرفة والتجربة الذاتية للكثير من الإخوة العراقيين الذين فهموا وأدركوا بأنفسهم أنهم عندما كانوا في سورية في الماضي قبل غزو العراق كانت سورية ترفض تسليمهم أو إبعادهم لذات الأسباب القيميّة والأخلاقية والمبدئية، وكانت تقول دائماً للنظام السابق في العراق: أين دليلك ووثائقك الحقيقية على ما تقوله؟
يجب أن يدرك شعبنا في العراق أن سورية لم تغير طريقة تعاملها معهم سواء أكانوا على أرضها أم في أي أرض في العالم حتى على أرض العراق ذاته..
تحفظ سورية مبادئها وقيمها ولذلك فهي تؤمن بأهمية الحفاظ على علاقات طيبة ومتينة مع شعبنا في العراق بقدر حرصها على وحدته وأمنه ومستقبله، وبقدر حرصها أيضاً على تكريس القيم القانونية والأخلاقية واحترام التقاليد والأعراف، وهذه كما يعرف الإخوة في العراق، كبيرهم وصغيرهم، شيم عربية أصيلة لا يجوز التعامل معها بانتقائية أو ذاتية أو أنانية.
