أثار الإعلان عن جائزة نوبل للسلام هذا العام نقاشا حادا، بين مؤيدين ومعارضين ومحتجين على الاختيار الذي وصلت إليه اللجنة.
فالبعض يرى أن الجائزة بدأت تخرج عن إطارها والأهداف التي جاءت من أجلها، والبعض يرى أنها أصبحت مسيّسة ولا تكرم المرشحين الذين يستحقونها. ومنهم كذلك من يتساءل عن العوامل التي تمنح الجائزة على أساسها، هل تمنح على ما تم تحقيقه وتجسد على أرض الواقع في مجال الأمن والسلام والاستقرار والتسامح والتفاهم بين الدول والشعوب، أم أنها تمنح على أساس الوعود والتنظير؟
في حقيقة الأمر، الإعلان عن نوبل للسلام كان في العديد من السنوات محل جدال ونقاش ومعارضة واستياء من الكثيرين، لكن الأمر هذه السنة جاء مختلفا ومفاجئا، وحتى الفائز بالجائزة عبر عن عدم أحقيته لها وأن هناك استعجالا في منحها له. فهل كانت اللجنة ترى أن الجائزة ستكون حافزا للرئيس أوباما لتنفيذ ما وعد به، خاصة وأنها بررت منحها له من بين 204 مترشحين، بسياسة أوباما لتحقيق عالم خال من السلاح النووي، ولمبادرته الجريئة لإلغاء الدرع الصاروخية الموجهة لروسيا، وكذلك لنهج الدبلوماسية بدلا من العنف والقوة في الملف النووي الإيراني. مبررات يرى الكثيرون أنها غير كافية لمنح الجائزة، نظرا لكون معظمها مجرد كلام وحبر على ورق.
من جهة أخرى يرى البعض أن الطلاق مع عهد بوش الذي يقوم على القوة والصدام والردع، والذي كان مصدرا للتوتر الدولي وللنزاعات والحروب، وكذلك شجاعة أوباما في انتهاج مقاربة جديدة في العلاقات الدولية، هما العاملان اللذان أهلا أوباما للفوز بالجائزة.
ففي الولايات المتحدة الأميركية، فجر الإعلان عن فوز الرئيس أوباما بالجائزة حرب تصريحات حادة بين الديمقراطيين والجمهوريين. فالديمقراطيون عبروا عن سعادتهم، والجمهوريون شنوا هجوما على الرئيس وعلى لجنة منح الجائزة واعتبروا أن مصداقيتها تنهار يوما بعد يوم، وأكدوا على أن أوباما لم يحقق شيئا ملموسا منذ مجيئه إلى البيت الأبيض، وأن الجائزة جاءت قبل أوانها بكثير وقد يؤثر هذا سلبا على السياسة الخارجية الأميركية. في النرويج، دعت رئيسة أكبر أحزاب المعارضة النرويجية إلى استقالة رئيس لجنة جائزة نوبل.
أما صحيفة الواشنطن بوست فذكرت أن هناك حالة من الذهول العام ومن الاستغراب والتعجب، لمنح جائزة نوبل للسلام لرئيس لم ينه بعد السنة الأولى من ولايته، كما أنه لم يحقق أي نتيجة مهمة على الصعيد الدولي. ومن جانبها اعتبرت صحيفة نيويورك تايمز أن الجائزة جاءت في غير وقتها وقبل الأوان، وأنها اعتراف في غير محله لوعود طموحة لا أحد يعرف هل ستتحقق في أرض الواقع أم لا.
وهنا نتساءل عن الأعمال والانجازات التي اعتمدت عليها اللجنة في منح باراك أوباما جائزة نوبل للسلام؟ ويبدو من الوهلة الأولى أن اللجنة اعتمدت على الوعود وعلى المستقبل والأقوال، أكثر بكثير مما تحقق وأُنجز على أرض الواقع.
صحيح أن أوباما وعد بالسلم والصلح والتغيير الجذري في السياسة الخارجية الأميركية وفي التخلي عن السياسة العدوانية التي تعتمدها بلاده إزاء الشعوب التي لا تتفق مع الولايات المتحدة الأميركية.
كما وعد بالحد من الأسلحة النووية والتوجه نحو الدبلوماسية والحوار مع إيران وكوريا الشمالية وسوريا الخ... لكن الرئيس الأميركي، إلى حد الآن، لم يفعل شيئا.
وما يُلاحظ على أرض الواقع هو أن الحرب ما زالت قائمة في العراق وأفغانستان، وأن الحرب على الإرهاب ما زالت سارية وإن اختلفت التسمية، وأن سجن غوانتنامو ما زال موجودا ولم يغلق، وأن الأزمة المالية العالمية التي سببها الاقتصاد الأميركي، ما زالت تلقي بظلالها على اقتصاديات العالم بأسره.
وأن إسرائيل ما زالت تصول وتجول وتبني المستوطنات في فلسطين كما يحلو لها، رغم الوعود المتكررة للرئيس أوباما بوضع حد للغطرسة الإسرائيلية. ومن المفارقات الكبيرة في جائزة نوبل للسلام هذا العام، هو منحها لأوباما الذي أمر بإرسال المزيد من القوات العسكرية إلى أفغانستان.
فالرئيس أوباما كُرم من قبل لجنة نوبل على أساس رؤيته وليس على أساس أفعاله، وعلى قدراته وليس انجازاته، وكان أولى باللجنة أن تتريث وتعطي الوقت الكافي لأوباما حتى يترجم أقواله ووعوده إلى أفعال.
والغريب في الأمر أن أوباما صرح عند سماعه الفوز بجائزة نوبل للسلام بأنه «لم يفعل ما فيه الكفاية للفوز بالجائزة». وهناك من يتساءل هل بإمكان أوباما إنجاز ما وعد به؟ وهل لديه الوسائل والإمكانيات لتجسيد وعوده على أرض الواقع؟
حسب وصية ألفرد نوبل، يجب أن تُمنح جائزة نوبل للسلام «للشخص الذي قام بأكبر الأعمال أو أحسن الأعمال للتآخي بين الأمم، للقضاء أو التقليل من الجيوش ولتنظيم وتطوير مؤتمرات السلم».
وهنا نلاحظ أن الجائزة تمُنح لما أُنجز على أرض الواقع، ولشخصية ساهمت في تنفيذ وصية ألفرد نوبل عمليا. وباراك أوباما، الذي فاز بجائزة نوبل للسلام، هو رئيس الدولة التي تقود العالم وتسيطر عليه في نفس الوقت.
وهي ذات الدولة المتورطة في حروب ونزاعات دولية، وهي ذات الدولة التي تنتهك حقوق الإنسان وجميع أنواع الحريات باسم الحرب على الإرهاب، وهي ذات الدولة التي لم تفعل شيئا إزاء النزاع الإسرائيلي الفلسطيني والنزاع العربي الإسرائيلي، ولم تفعل شيئا بالنسبة للمستوطنات وللحرب على غزة، وهي ذات الدولة التي استخدمت السجون السرية في العديد من الدول، وهي ذات الدولة التي تفننت في تعذيب أشخاص أبرياء وبدون محاكمة في سجن غوانتنامو.
صحيح أن الكثير من هذه المخالفات الدولية بمقاييس ألفرد نوبل تمت في عهد الرئيس الأميركي السابق، لكن ما نلاحظه هو استمرارها رغم الوعود المتكررة للرئيس باراك أوباما الحاصل على جائزة نوبل للسلام. للتذكير فإن الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر رفض جائزة نوبل للسلام سنة 1964، بداعي أن أصحابها لا يؤمنون بمبادئها.
عميد كلية الاتصال، جامعة الشارقة
