كانت أوروبا قد «اقترعت» باراك أوباما في الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة. وكان الإحساس السائد لدى أغلبية الأوروبيين هو أن العلاقات بين ضفتي الأطلسي، الأميركية والأوروبية، ستكون «سمن على عسل» بمجرّد فوزه في الرئاسة.

وبعد عام فقط من وجوده في البيت الأبيض، بدأت سماء العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا تتلبّد بالغيوم. بعضها قد تكون مجرّد سحابات صيف ليس من الصعب أن تنقشع، مثل تلك التي أشارت إليها صحف غربية عديدة عندما تحدّثت عن «استعلاء» أوباما على نظرائه الأوروبيين، وعدم لقائه «على انفراد» في البيت الأبيض بأي منهم أثناء انعقاد الدورة السنوية الرابعة والستين للأمم المتحدة في نهاية شهر سبتمبر الفائت، بما في ذلك غوردون براون، رئيس وزراء بريطانيا المقرّب «افتراضا».

بعض افتتاحيات الصحف الأوروبية تحدثت عن «الصلف الشخصي» في سلوكية أوباما. لكن بالطبع يبقى الحديث السائد على الصعيد الرسمي الأوروبي والأميركي، هو التأكيد على عمق التعاون بين الولايات المتحدة وأوروبا.

لكن وفيما هو أبعد من العلاقات الشخصيّة والتصريحات الرسمية، هناك تباينات جديّة، بل وعميقة، بين الولايات المتحدة وأوروبا حول العديد من القضايا الراهنة، وحول استراتيجيات المستقبل. وليست قليلة هي الأصوات الأوروبية التي تقول، تلميحا أو تصريحا، أن الطبقة السياسية الأميركية عامة لا تريد قيام أوروبا قويّة وموحّدة الصوت بحيث تصبح «لاعبا» أساسيا على المسرح الدولي. وتضيف أن أوروبا التي تريدها واشنطن، هي مجرّد سوق للتبادل التجاري الحرّ وليس قوّة منافسة.

لا شك أن «الموديل» الأميركي يغري الكثير من الأوروبيين.. وغيرهم، لكن في نفس الوقت هناك ميل أوروبي واضح لرفض منطق أن تكون أوروبا «ملحقة» بأميركا.

والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي نفسه، الذي وصفوه سابقا بـ «ساركو الأميركي» ولم يعترض على ذلك بل اعتبره إطراءً بدرجة ما، هو الآن بصدد التحوّل إلى «بطل لعدم الانحياز» كما وصفه بعض المحللين مؤخرا، وذلك على خلفية زياراته المكثّفة التي قام بها منذ شهر مايو الماضي لعدد من الدول «الصاعدة».

الاستراتيجية الواضحة للرئيس ساركوزي «ابتعادا» عن واشنطن، تتمثّل في ما عبّر عنه أثناء زيارته لكازاخستان مطلع الشهر الجاري، بالقول: «ينبغي التواجد في هذه المنطقة من العالم (آسيا الوسطى)، وأنا على قناعة أنه ينبغي التواجد في منطقة الخليج، وعلى قناعة أنه ينبغي اتخاذ مواقف في أميركا اللاتينية، ومع البلدان ذات الوزن والتي تشكّل رؤوس جسور ستبني معها فرنسا شراكات القرن الحادي والعشرين».

الشراكات المقصودة لا تقوم على الأيديولوجيات، ولكن على المصالح. وهي شراكات «مختارة»، إذ أن «إرادة التواجد في كل مكان من العالم تعني عدم التواجد في أي مكان»، كما أضاف الرئيس الفرنسي. الإشارة واضحة إلى ما يمكن أن يمثّله التوجّه الأميركي.

لكن لا ينبغي الخروج من هذا بالقول إن ساركوزي قد غدا ذا نزعة معادية لأميركا، وهو الذي أعاد بلاده إلى القيادة العسكرية الموحّدة للحلف الأطلسي التي كان الجنرال ديغول قد أخرجها منها.

ما يمكن قوله هو أنه لم يعد هناك أي محل من الإعراب للجملة التي قالها الرئيس الفرنسي في شهر يناير من العام الماضي 2008 بأمل أن «يتقاسم» زعامة العالم مع الرئيس أوباما، وجاء فيها: «هناك مكان لاثنين». كان يقصد هو والرئيس الأميركي.

الإدارة الأميركية ترى من جهتها أن العلاقات الأطلسية مثل «سكّة من خطيّن»، كما عبّر مساعد وزير الخارجية الأميركي للشؤون الأوروبية فيليب غوردون في مقابلة له مع صحيفة «لوموند» الباريسية قبل أيام. الطريق إذن واحد ودون أية تبعية، لكن هناك «مسؤوليات».

المسؤول الأميركي نفسه قال في نفس المقابلة: «بمقدار ما غيّرت الولايات المتحدة من مقاربتها للأمور ـ حيال غوانتانامو وأفغانستان وإيران ـ في اتجاه أكثر تماشيا مع وجهات النظر الأوروبية، فإننا ننتظر من أوروبا أن تتحمّل معنا المسؤوليات».

بالطبع ليس المقصود هو المسؤوليات الأخلاقية والمعنوية، ولكن أوّلا وأساسا الأعباء المادية والعسكرية والبشرية وخاصة في أفغانستان. وهذا ما يتردد فيه الأوروبيون كثيرا، عندما يجدون أنفسهم مستبعَدين من آليات اتخاذ القرارات الجوهرية حيال أفغانستان وغيرها.

بل هناك تباين في الرأي أصلا حول مهمّة القوات الأطلسية في هذه البلاد، وتباين حول سلّم الأولويات.. وأبعد من هذا كلّه يطرح الأوروبيون على أنفسهم أسئلة حول استراتيجياتهم المستقبلية، بما فيها طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية.

على أساس هذا كلّه، ليس من المبالغة القول إن العلاقات الأوروبية ـ الأميركية مشوّشة بالفعل.

كاتب سوري ـ باريس

mohaklouf@yahoo.fr