المفارقة صارخة ومهينة. عشية الاحتفال بيوم الأغذية العالمي. اليوم، يصدر تقرير يكشف أن عدد الجياع في العالم تجاوز، لأول مرة، المليار إنسان. توزعوا على مناطق عدة في العالم. وبالتحديد دوله الفقيرة. وحتى الدول الصناعية الغنية، لم تسلم شرائحها الدنيا من الجوع.

موجة فتّاكة تتمدّد كالوباء. أزمة أمن غذائي تهدّد بالأدهى. خاصة أنها تأتي في ظلّ عوامل ومعطيات، تفاقم من حدّتها؛ وتجعلها مفتوحة على الأسوأ. من سخونة المناخ وعواقبها السلبية على الإنتاج الغذائي، إلى الأزمة المالية وتداعياتها الاقتصادية؛ فضلاً عن الارتفاع الجنوني في الأسعار، التي لم تعد في متناول البلدان الأكثر فقراً وعوزاً في العالم. التقرير إدانة ونداء، في آن. وضع لا يجوز، إنسانياً وأخلاقياً وحتى أمنياً، استمراره.

الرقم المذهل، جاء في تقرير مشترك، لـ «منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة« (فاو) وبرنامج الأغذية العالمي. حصة آسيا والمحيط الهادئ، بلغت أكثر من النصف. تلاها جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى، ثم الكاريبي وأميركا اللاتينية؛ ليأتي بعده شمال أفريقيا. كما للدول الصناعية حصة لا تقل عن خمسة عشر مليوناً. المروحة واسعة والحجم قياسي.

صحيح أن المشكلة ليست بنت الأزمات الأخيرة. هي منذ فترة تتراكم. لكن ببطء. الفورة التي دفعت الرقم إلى أكثر من مليار، جاءت نتيجة تضافر عدة أسباب. من أهمها «ضعف نظام حوكمة الأمن الغذائي العالمي»، كما تقول «فاو» وانخفاض صادرات دول نامية عديدة فضلاً عن انخفاض الاستثمارات الأجنبية لديها وهبوط التحويلات المالية الخارجية وغيره.

غير أن السبب الرئيسي لاستشراء المجاعة بهذا الشكل المشين، هو غياب الإرادة السياسية، على حدّ ما يقول رئيس المنظمة. فهو يؤكد أن «الوسائل الاقتصادية والتقنية لمحو الجوع متوفرة». لكن القرار مفقود.

وهنا بيت القصيد. فالعالم الذي هرولت بلدانه الكبرى، إلى ضخّ مئات مليارات الدولارات، في غضون أشهر قليلة، لمواجهة الأزمة المالية ومنعها من الإطاحة بالنظام العالمي؛ بإمكانه ضخّ ما يوازي جزء من هذه الكلفة، لمنع المجاعة.

على الأقل لمنع تفاقمها. كما لا يضيره لو هو خصّص نسبة ضئيلة من إنفاقه العسكري السنوي، الذي يقارب تريليون دولار، لسدّ حاجة ملايين البطون الفارغة في العالم.

الأمن الغذائي العالمي، يلامس الخطوط الحمر. بات يهدّد بكوارث في بلدان فقيرة كثيرة، يزداد فقرها. التقرير يدق ناقوس الخطر. بل هو جرس إنذار مبكر، من المعيب أن لا تستجيب الدول الكبرى المقتدرة إلى صرخته. فذلك واجب، أولاً وأساساً. ومن غير المقبول عدم تلبيته بالمستوى وبالسرعة التي يتطلبهما.