منذ العدوان اللاإنساني الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني المحاصر في غزة، والصفعات السياسية التركية الشجاعة تتوالى، بما يعكس تقاربا تركيا مع العرب والمسلمين وتباعدا تركيا عن إسرائيل وصل بالعلاقات إلى حد التدهور، واتجاها نحو الشرق بنفس المسافة التي يبتعد فيها الغرب الأوروبي عن تركيا.
ففي رابع صفعة تركية شجاعة، رفضت تركيا مشاركة إسرائيل في المناورات الجوية «نسر الأناضول»، التي كانت تجري سنويا للتدريب على القيام بعمليات هجومية مشتركة بمشاركة أطلسية، أي أميركية وأوروبية في الأجواء التركية، بالقرب من الحدود السورية والعراقية والإيرانية، بما يثير الريبة في النوايا العدوانية لهذه المناورات التي كان مقررا أن تجري بعد أيام، بما كان له وقع الصفعة القوية، في خطوة تعكس المواقف المبدئية الصحيحة، وتوجه مزيدا من الرسائل السياسية الصريحة لإسرائيل ولكل من يهمه الأمر.
وفي رد فعل كاشف لطبيعة التحالفات الأطلسية الأميركية الأوروبية مع إسرائيل في مواجهة كل طرف عربي وإسلامي في المنطقة يغضب من إسرائيل أو يغضب إسرائيل، تصرفت أميركا كما لو كانت الصفعة التركية موجهة إليها وليس إلى إسرائيل، فانسحبت من المناورات، وكذلك تصرف الجانب الأوروبي في الحلف الأطلسي تضامنا مع إسرائيل، فقررت تركيا تأجيل المناورات إلى أجل غير مسمى.
ولكن المثير للاستغراب هو تضامن الحلف الأطلسي مع إسرائيل غير العضو رسميا في الحلف، على حساب تركيا الدولة العضو في هذا الحلف، لكن ربما ينبع ذلك من قناعة أطلسية أن إسرائيل هي القاعدة العسكرية الأكبر من قاعدة «أنجرليك» الأميركية في تركيا، وأن الدولة الصهيونية ذات الغالبية اليهودية هي الأقرب لأميركا وأوروبا من الدولة التركية ذات الأغلبية المسلمة!
ولكن المواقف الأميركية والأوروبية الحامية لإسرائيل، سواء على الأرض أو في المنظمات الأممية بالتناقض مع ما يرفعونه من مبادئ الحرية وحقوق الإنسان، على حساب الحقوق العربية والإسلامية منذ اغتصاب فلسطين وحتى اليوم لم تعد مستغربة، وإن كانت لدى كل شعوبنا مكشوفة ومرفوضة ومستهجنة، سواء بمنح إسرائيل السلاح النووي لتهدد به كل المنطقة، أو بمنعه عن الدول العربية والإسلامية، وسواء في جنيف بمنع تمرير اتهام إسرائيل بالإجرام الحربي في غزة، أو في نيويورك بمنح إسرائيل الحماية بالفيتو من الإدانة والعقاب في مجلس الأمن!
والمعروف أن رجب طيب أردوغان رئيس الحكومة التركية، بمواقفه السياسية والإنسانية الغاضبة والشجاعة، قد تحول بالفعل في نظر الرأي العام العربي والإسلامي إلى «نسر الأناضول» الحقيقي، سواء إلى جانب الشعب الفلسطيني رفضا للعدوان الإجرامي الإسرائيلي.
ومن قبل إلى جانب الشعب العراقي بمواقفه الشجاعة مع أخيه الرئيس عبد الله جول، وغالبية أعضاء البرلمان التركي الشجعان والشعب التركي المسلم ضد العدوان الأطلسي، ورفضهم السماح لأميركا باستخدام قاعدة «أنجرليك» في هذا العدوان ومنع الطائرات الأميركية من التحليق.
وما زال الرأي العام العربي يتذكر إدانة أردوغان القوية للعدوان الصهيوني على غزة في أول صفعة، وانتقاده الحاسم للرئيس الإسرائيلي بيريز في دافوس واتهامه له بقتل الأطفال خلال الحرب..
والصفعة الثانية برفض وزير الخارجية أحمد أوغلو زيارة إسرائيل، لرفضها زيارته لغزة ولقاءه مع قادة حركة «حماس»، ثم كانت الصفعة الثالثة التي أحدثت دوي القنبلة في الأمم المتحدة بتحديه الواضح لإسرائيل وأميركا وأوروبا، بإعلانه أن إسرائيل النووية تشكل خطرا على المنطقة كلها، بل بدفاعه عن إيران في مواجهتها مع الغرب بشأن برنامجها النووي.
كاتب مصري