كنا ونحن طلاب في الجامعة يختلط علينا اسما «عبد المنعم سعيد» و«محمد السيد سعيد»، فكنا نستبدل هذا بذاك، حيث تختلط علينا كتاباتهما ونضعهما في مرتبة واحدة، فالاختلافات الفكرية والأيديولوجية لم تكن واضحة في مخيلتنا في تلك الأيام بحيث تساوت عندنا الأسماء والنتاجات. وبمرور الوقت وتبلور الأفكار والأيديولوجيات لم نعد نخطئ في الأسماء؛ فعبد المنعم سعيد ليس بالطبع محمد السيد سعيد، رغم أنهما أبناء كلية واحدة ويعملان في مركز بحثي واحد، كما أن نتاجات الأول وتوجهاته الفكرية تختلف تمام الاختلاف عن الثاني.
ورغم أننا لم نقابل أيا منهما إلا بعد فترات طويلة، وعبر بعض المؤتمرات المختلفة التي كنا نطالعها في كلية الصفوة المصرية «الاقتصاد والعلوم السياسية» وغيرها من الأماكن الأخرى، إلا أننا كنا نشعر أن محمد السيد السعيد مثل أي باحث آخر من هؤلاء الغلابة الذين ينتمون لكليات الآداب، وبشكل خاص أقسام الاجتماع الأقرب بحكم الدراسة، والتي تنتج بعض المتمردين بجانب خط إنتاج طويل من المحافظين التقليديين.
كانت الدهشة التي تطالعنا من كتابات محمد السيد سعيد ومقالاته الراديكالية، تنبع من كونه خريج كلية الاقتصاد والعلوم السياسية التي ترتبط في أذهاننا بالتوجه المحافظ جدا، فهي كلية الباحثين عن العمل الدبلوماسي والبحث الهادئ الأقرب لمتطلبات البنية الوضعية التقليدية، والرغبة في الحفاظ على الوضع الراهن وتأييده في الوقت نفسه، ناهيك عن ارتفاع نسبة الجمال فيها.
وربما تبدو هذه النظرة صحيحة إلى حد بعيد، رغم وجود بعض الحالات القليلة المارقة على حالة الإجماع هذه، وربما أيضا هذا هو حال الدراسات السياسية في العالم العربي التي لا تستطيع أن تذهب في تناولها للواقع العربي أبعد مما تقدمه الآن من رؤى توصيفيه لصيقة الارتباط بالواقع. الغريب في الأمر أن من يخرج على حالة الإجماع الخاص بهذه الكلية يفارقنا باكرا، فعلها أحمد ثابت الأستاذ اليساري المتمرد في الكلية قبل محمد السيد سعيد وهو لم يتجاوز الثانية والخمسين عاما.
لم يخضع محمد السيد سعيد لوهج الصفوة الذي تفرضه طبيعة الجماعة الأكاديمية السياسية في عالمنا العربي، وحدود «الأهرام» الأقرب للمحافظة والتقليدية، على الأقل في سنواتها الأخيرة، واستطاع أن يفرض لنفسه وضعية خاصة به، سواء من خلال توجهاته اليسارية الرحبة، أو من خلال أنشطته الليبرالية الواسعة النطاق، والتي ظهرت أبرز تجلياتها في إسهامه في تأسيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان وحركة «كفاية».
فقليل من المفكرين هؤلاء الذين يجمعون بين التوجه اليساري والليبرالي في الوقت نفسه، لكنها المعادلة الصعبة التي تجعل الفرد يقبل من اليسار اهتمامه بالعدل الاجتماعي والمساواة بين الطبقات والشرائح الاجتماعية المختلفة، ويتبنى من الليبرالية أطرها المرنة الفضفاضة التي لا تقبل بديلا سوى الاحترام الكامل لحقوق الإنسان وكافة أفراد المجتمع بما فيها الأقليات.
ولعل هذا ما يميز محمد السيد سعيد عن باقي أفراد جيله، بل ما يميزه أيضا عن أساتذته الحقيقيين، وهؤلاء الذين يدعون تلمذته على أيديهم، أنه في تأكيده على الليبرالية لم يضعها في المطلق مثلما يفعل الليبراليون العرب، ويتناسون بسوء نية منقطع النظير أحوال العباد وانتشار الفقر وانعدام المساواة والعدل الاجتماعي، كما أنه في تسلحه باليسارية لم يقبلها بوصفها سيفا مسلطا على العباد، يتناسى معه أهمية احترامهم كبشر وكجماعات اجتماعية وسياسية ومدنية لها حقوق وعليها واجبات.
وأغلب الظن أن محمد السيد سعيد تمرد على الاتجاهين، رغم أنهما امتلكا عليه حياته وكتاباته وتوجهاته الفكرية. لكن الواقع المصري كان ضاغطا عليه، سواء في تبنيه اليسار وهو الأمر الذي أدى به إلى تعذيب السجون في تجربة قاسية في نهاية الثمانينات رغم قصر مدتها، أو في تبنيه التيارات الليبرالية وهو الأمر الذي أضعف الكثير من مؤسسات العمل المدني المختلفة، بدءا من المنظمة المصرية لحقوق الإنسان مرورا بحركة كفاية، وانتهاء بجريدة «البديل» التي أسسها بنفسه وعمل ساعات طوالا من أجل استمراريتها رغم توقف صدورها اليومي.
هنا، وبعيدا عن صراع الأفكار ومواجهة الأيديولوجيات، يبدو محمد السيد سعيد مثقفا متمردا على قولبة الأطر وضغط المؤسسات ومداهنة السلطات، وهو ما جعله متميزا بين أبناء جيله أجمعين، وأكسبه احترام كافة التيارات الفكرية المختلفة، وهي مسألة لا يحظى بها سوى القليلين في الساحة الفكرية المصرية والعربية على السواء. وتمرد المثقف نعمة لا يقدرها إلا المتمردون، وإلا من لا يحملون في أنفسهم سوى تلك القدرة والرغبة على الانفلات من تطويق السياقات وغواية الأفكار والأيديولوجيات، ومنهم بالطبع محمد السيد سعيد.
وهي ليست نعمة على مستوى الأفراد فقط، لكنها تلك النعمة والعظمة المرتبطة بمصر وقدرتها على الخروج من وطأة الجمود الفكري والأيديولوجي؛ فعندما تبدو الأوضاع كئيبة جدا وغير محتملة، يبرز أمثال محمد السيد السعيد يحملون أفكارهم وتوجهاتهم المتمردة على أكتافهم، لا يبالون بالمناصب ولا بالبدلات الفاخرة ولا بأربطة العنق الناعمة، لكنهم معنيون بقضايا حقيقية، قضايا الوطن والتمرد والتغيير.
رحم الله محمد السيد سعيد الذي حفظنا اسمه عن ظهر قلب الآن، وميزناه بقوة عن غيره من الأسماء، وألهم ذويه الصبر والسلوان.
كاتب مصري