هناك أوقات يكون فيها الأقل هو الأكثر.. ويكون فيها الأكثر هو الرد الخاطئ، والوقت الحالي في أفغانستان هو أحد هذه الأوقات. هناك الكثير من النظريات والاقتراحات التي يتم تداولها، فيما يعكف الرئيس الأميركي باراك أوباما ومستشاروه لشؤون الأمن القومي، على مناقشة ما الذي يمكن للأذرع العسكرية والمدنية للإدارة الأميركية القيام به حيال الحرب التي استمرت ثماني سنوات في أفغانستان.

يريد الجنرال ماكريستال قائد القوات (الأميركية) في أفغانستان أن يدفع إلى ساحة المعارك إمدادات يتراوح قوامها بين 40 إلى 45 ألف جندي أميركي، لتعزيز الجنود المقدر عددهم ب68 ألف جندي الموجودين في أفغانستان، وذلك بحلول أواخر نوفمبر المقبل.

ويقول الجنرال إنه من دون هذه التعزيزات، فإن الجهد الأميركي الذي استمر طويلا وكبّد واشنطن تكاليف باهظة في ذلك البلد القبلي البعيد، لا يمكن أن يكلل بالنجاح.. وذلك على الرغم من أنه ما من أحد يعرف من أين سنحصل على هؤلاء الجنود في مؤسسة عسكرية استنزفت قدراتها، وبقوات تعاني من الإعياء الشديد وتتعرض معداتها للاستهلاك.

ومما يثير الاهتمام أن ماكريستال لا يقدم تنبؤا بالنجاح أو أي شيء يشبه النجاح ولو من بعيد، إذا حصل على هذه القوات الإضافية التي لن تصل إلى ميدان المعركة على أية حال، إلا في وقت متأخر من العام المقبل.

وأتوقع يقينا كالموت أو كموعد دفع الضرائب.. أن الجنرال سيعود في الربيع المقبل ليطالب على نحو عاجل بدفع 50 ألف جندي أميركي آخر إلى المعركة! وإذا تمت تلبية هذا الطلب فانه سيصل بقوام القوات إلى 160 ألف رجل.. أي ما يزيد عن القوات التي دفع بها الاتحاد السوفيتي إلى حربه الخاسرة في أفغانستان.

وبحسب التقرير الذي رفعه ماكريستال إلى رؤسائه، فإن أهدافنا الراهنة في أفغانستان تشمل في: «قيام القوات الأميركية وقوات حلف الناتو بعمليات عسكرية دعما للحكومة الأفغانية، وذلك لتقليل قدرات المتمردين وتحطيم إرادتهم، ولدعم نمو قوات الشرطة الوطنية الأفغانية وتسهيل إدخال التحسينات في عملية «الحوكمة» والتنمية الاقتصادية والاجتماعية..

وذلك لتوفير بنية آمنة لتحقيق الاستقرار المستدام الملحوظ للسكان». نعم.. الفائدة الأولية من النجاح في أفغانستان ستكون منع طالبان من العودة إلى السلطة، والحيلولة دون تمكن تنظيم القاعدة من العودة إلى ملاذه القديم في أفغانستان. دعنا نراجع الآن ما يطرح علينا في هذا الصدد.

أولا.. سنقوم بدعم حكومة فاسدة تماما يتربع على رأسها حامد قرضاي، وهي حكومة يبقى عليها إلى حد ما المال الذي تستمده من مشروعات المعونة الأميركية، والمال الذي تكسبه من تهريب المخدرات. وهي حكومة يتمثل نجاحها الوحيد الملحوظ، من خلال المضي بأفغانستان من إنتاج قيمته صفر للأفيون والهيروين في ظل حكم طالبان.. إلى أن أصبحت أكبر منتج لألوان البؤس المخصصة لشوارع أوروبا وأميركا.

ولسوف نقوم على نحو ما بجعل تلك الحكومة وذلك الرئيس يبدوان بصورة طيبة في عيون شعبهما.. وذلك على الرغم من أن قرضاي سلب هذا الشعب الانتخابات الوحيدة التي قام بها في التاريخ الوحشي الطويل لأفغانستان.

وعقب ذلك.. فإننا في سبيلنا إلى مضاعفة قوام الجيش الأفغاني والشرطة الوطنية، أو زيادتها إلى ثلاثة أمثالها، وسنجعلها قوة تحمي الشعب بدلا من سرقته، قوة قادرة على التصدي لمتمردي طالبان الذين يشكلون بالفعل السلطة في أكثر من نصف أفغانستان، وإيقاع الهزيمة بهم.

وأخيرا سوف نضخ مليارات الدولارات من أموالنا.. معلقين الآمال عبثا على أنه بشكل ما ستكف هذه الحكومة التي تجمع بين الدكتاتورية والسرقة، عن سرقة 60 سنتا من كل دولار نرسله لبناء أمة سعيدة وهانئة ومجتهدة، في مكان لم توجد فيه أي من هذه الأشياء على امتداد تاريخها المقدر بألفي عام.

وهناك شيء إضافي آخر.. فليس في أفغانستان اليوم قوات للقاعدة بقدر ما نعلم. وافتراضنا الاستراتيجي هو أن هذه القوات ستعود إذا انتصرت طالبان في هذه الحرب، وبالتالي تشكل تهديدا للولايات المتحدة أكثر مما تشكله من مواقعها الراهنة في مناطق الحدود الباكستانية، الصومال، غرف الفنادق في هونغ كونغ، هامبورغ، ديترويت.

ونحن نفترض أن طالبان البدائية والقادرة على التأقلم بشدة، سوف ترحب بأذرع مفتوحة بصانعي المتاعب الذين أدوا إلى الإطاحة بها وإرسالها إلى المنفى، ودفعها نحو ثماني سنوات إضافية من الحرب. ونحن نفترض هذا على الرغم من أنه لا وجود لأي دليل على أن القاعدة تم الترحيب بها مجددا في نصف أفغانستان الذي تحكمه طالبان الآن.

وافتراضنا المتواضع من ضمن اقتراحات أخرى كثيرة، هو أن يبلغ الرئيس أوباما الجنرال ماكريستال بأن استراتيجيتنا قد تغيرت.. وأنه لن تكون هناك حاجة إلى كل تلك القوات الإضافية وكل تلك الدولارات الإضافية..

وأنه في حقيقة الأمر يحتاج إلى بدء عملية تخطيط بطيئة ومنتظمة لتخفيض القوات الأميركية في أفغانستان من 68 ألف جندي إلى 15 ألفا، وهو رقم يمكن الإبقاء عليه والاستفادة منه. وفي مقدورنا تشغيل عشرة آلاف جندي منهم في تدريب الجيش والشرطة الأفغانية، واستخدام أربعة آلاف في الدعم والإمداد، وألف رجل كقوات عمليات خاصة لمطاردة أهداف القاعدة في باكستان المجاورة، بالاستعانة بالطائرات الحديثة والفعالة من طراز «بريديتور»، ومراقبة طرق التسلل عبر الحدود لضمان عدم عودة القاعدة إلى أفغانستان.

إن الخيارات المطروحة أمام الرئيس الأميركي هي خيارات صعبة، حيث يمكننا المضي قدما في حرب لا تنتهي ولا يمكننا تحملها، تحقيقا لأهداف لا يحتمل أن نكون قادرين على إنجازها.. أو يمكننا أن نقلل من طموحاتنا ونقلل من استنزافنا في الأرواح والمال، للوصول إلى أهداف أكثر تواضعا في المدى البعيد. ليس هناك معنى لمضاعفة القدرات الأميركية في أفغانستان، إذا كانت تمسك بيد خاسرة.

صحافي أميركي متخصص في الشؤون الاستراتيجية

pinion@albayan.ae