لا يمكن النظر إلى حالة النهوض الرأسمالي في الصين والتي بات نموذجها يمثل أحد أهم نماذج النهوض الرأسمالي الجديدة في شرق آسيا، دون البحث في حجم التطور الذي جاء على هذا المجتمع خلال العقود الستة الماضية من عمر الثورة الصينية، إذ خرجت جمهورية الصين الجديدة من دولة قد عاشت لعقود قطيعة مع دول العالم الأخرى إلا القليل منها.

ومن دولة غير ممثلة في هيئة الأمم المتحدة، إلى دولة بات العالم في جله يعيش على صناعاتها الرخيصة، ومن دولة متهمة بالتدخل في مواقع التوتر العالمي بغية مضايقة الدول «الإمبريالية»: من الحرب الكورية مرورا بحروب الهند الصينية ودعم حركات التحرر في آسيا وإفريقيا والحروب الباردة، إلى دولة يمثل السلام العالمي أحد أهم مرتكزات علاقاتها الخارجية مع الدول.

فالصين هي الدولة الأكبر من حيث مساهماتها في قوات حفظ السلام، إذ أن لها أكثر من 2100 جندي يحملون الخوذ الزرقاء ويخدمون الأمم المتحدة في أكثر من 12 بلدا من بقاع التوتر في العالم.

ورغم أن الرواية - الوثيقة، الرائعة ليونغ تشانغ.. الموسومة بـ «البجعات البرية»، والتي تسجل لحقبة من أهم حقب التاريخ المعاصر للصين، وتحديدا الحقبة الماوية والحقبة التي تسبقها والتي ترى في الحقبة الماوية التي استمرت ثلاثة عقود وبسب طبيعتها الفردانية التوتاليتارية، أحد أهم أسباب التعثر في محاولات الصين لبناء «المجتمع الجديد»، إلا أن مؤرخين آخرين يجدون أن في حكم ماو تسي تونغ بعض الإيجابيات، رغم أخطائه السياسية الكبيرة ورغم انكساراته الصناعية وإخفاق أحلامه الطوباوية في اليوتوبيا الاشتراكية ـ الثورية، التي قادته إلى عثرات كبيرة منذ بداية ثورته الثقافية، مرورا بفشل إصلاحاته الزراعية وتعثر نظامه التعليمي حتى وفاته عام 1976.

ومع ذلك فإن الأمانة تقتضي القول إن النهوض الحالي للصين قد شيد على أساسات اجتماعية بناها النظام السابق، وذلك بقدرته على تحقيق الحاجات الأساسية للناس في الطعام والمسكن والصحة والتعليم، بل وقضائه على الأمية.

وبعد ثلاثة عقود من وفاة ماو والماوية، فإن الصين تمثل الآن ثالث قوة اقتصادية على مستوى العالم، ومن المتوقع أن تزيح اليابان للمرتبة الثالثة وتحتل مكانها. وإذا ما استمر نموها بمعدلاته الحالية فإن من المتوقع أن تتجاوز الولايات المتحدة عام 2020. فالصين وبتعبير مجلة التايم قد أصبحت «المُنتج الخارق على الصعيد العالمي»، فهي تنتج ثلثي ماكينات الطباعة والتصوير و60% من الإنتاج العالمي للتليفونات المتحركة، وما بين 55% و50% من الأقراص المدمجة والكاميرات الرقمية على التوالي، و75% من لعب الأطفال على الصعيد العالمي.

وهي الدولة التي باتت تمتلك احتياطيا نقديا يقدر بأكثر من تريليوني دولار، وأن 37 من شركاتها العاملة تأتي ضمن أكبر 500 من الشركات العالمية المتعددة الجنسية. وهي في هذا قد أصبحت الدولة الأكثر قدرة على استقطاب حركة الاستثمار العالمي، حيث أن 450 شركة من أكبر 500 شركة صناعية أميركية قد نقلت أو فتحت لها وحدات إنتاجية في الصين.

وهي نتيجة لذلك قد باتت تستهلك 16% من الإنتاج العالمي للطاقة. وهي الدولة الأولى من حيث قدرتها على التعافي والخروج من الأزمة الاقتصادية العالمية، كما أنها الدولة الأكبر من حيث مساهمتها في التلوث العالمي» (مجلة التايم 28 ديسمبر2009).

وقد لا نختلف مع القائلين إن الصين ما زالت السلطة السياسية واتخاذ القرار فيها للحزب الشيوعي الحاكم، وأن القيادات العليا ما زالت من المنتمين والمنتظمين فيه، إلا أن الحقيقة تقتضي القول إن الحزب قد تخلى وبدرجة كبيرة: أولا، عن يوتوبيته الاشتراكية ـ الثورية إذ بدا فيها ذا قدرة كبيرة على التعايش مع نمط النمو والنهوض الرأسمالي.

وثانيا: تخلى عن حروبه الداخلية بين أجنحته المختلفة والتي سادت إبان حقبة الثورة الثقافية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وأفرزت حالة من «المزايدات» السياسية بين أجنحة الحزب الانتهازية التي التفت (وفق رواية البجعات البرية) حول ماو تسي تونغ وزوجته وما يسمى بـ «عصابة الأربعة»، وأبعدت نتيجة لذلك الكفاءات العلمية والمهنية، وكل من أثيرت شكوك حول انتماءاته الإثنية أو خلفياته السياسية السابقة ذات الارتباط بالغرب أو التعليم الغربي.

وكما يبدو فإن المراكز القيادية السياسية والاقتصادية فيها لم تعد قائمة وفق المعطى الذاتي والوصولي، وإنما باتت تحدد وفق معطى الأفراد الميرتوقراطي. ونتيجة لذلك برزت في مركز قيادة البلاد قيادات جديدة شابة تتسم بكفاءتها المهنية العالية، واختيارها لا يتم وفق منطق انتمائها الحزبي أو الإيديولوجي.

بمعنى آخر، لم تستطع الصين أن توظف عقول أبنائها وكفاءتهم، إلا في اللحظة التي تخلى فيها الحزب عن طبيعته الانحيازية والعصبوية السياسية، وعن دوغمائيته الإيديولوجية فبات أغلب، إن لم يكن كل، قيادات الصين الآن من الفئات الأكثر تعليما وذوي المهنية العالية. وكان من نتيجة ذلك أن ما يسمى بالماركسية اللينينية كأيديولوجيا، قد أصبحت حاكمة للحزب الحاكم وليست حاكمة للدولة التي انتقل أسلوب الحكم فيها إلى قدر من الحكم الجماعي، وإن عانى من نقص كبير في الشفافية.

وفي اعتقادي أن أحد أهم التحولات الكبيرة في الصين التي قادت إلى هذا النهوض الاقتصادي العظيم، هي قدرة الحزب على التعايش مع المختلف السياسي، ولربما الإيديولوجي في الخارج، وفي إيمان القيادة السياسية الصينية بأن التعليم هو المحرك والعربة الأساسية في عملية النهوض الرأسمالي. وهي نتيجة لذلك لم يعد موقفها من أنظمة التعليم الغربية ومضامينها موقفا انتقائيا أو مبنيا وفق الدوغمائية الأيديولوجية أو الانحيازات الدينية الضيقة.

وإنما هي منطلقة من حقيقة أن الغرب قد بات بفعل تراكم خبراته وتجاربه وتطور علومه، أهم مراكز العلوم والمعرفة في العالم، وأن مقارعته لا تأتي عن طريق «اليافطات السياسية الكبرى»، وإنما عبر الغَرف من معينه المعرفي ومن تجارب جامعاته على الصعيد العلمي، حتى بات بعض الجامعات الصينية الرئيسية لا يقل من حيث المستوى والإمكانيات العلمية والمعرفية، ومن حيث بنياتها الأساسية عن أفضل الجامعات الأوروبية والأميركية.

لقد كانت الصين قبل ثلاثة عقود من الزمان تعيش صراعات ايديولوجية وعصبوية، وتعشعش فيها الانتهازية السياسية، ويحتل الضعيف مكان القوي في المعرفة والأداء، وينتشر فيها الكثير من المحسوبية والفساد السياسي والإداري، إلا أنها بقدرتها على مبارحة حالة الماضي بكل إخفاقاتها ولربما برموزها البشرية الإيديولوجية، قد دخلت في طور من النهوض بات يقربها من أن تكون مركزا للعالم الجديد.. فأين نحن من كل الدرس الصيني ؟ بل أين نحن من كل الدرس الآسيوي؟!

كاتب بحريني

drbaqer@gmail.coma