فيما بدا نوعا من اختراق الجليد بين تركيا واليونان، وبينما كانت طائرة رئيس الوزراء اليوناني الجديد «بابادوبولوس» تصل إلى مطار العاصمة التركية أنقرة، لحضور مؤتمر وزراء خارجية جنوب شرق أوروبا، في أول زيارة خارجية له بعد أيام قليلة من توليه الحكم إثر فوز حزبه الاشتراكي على الحزب الديمقراطي رئيس الوزراء السابق «كرامنليس» الانتخابات اليونانية..
كان نوع آخر من اختراق الجليد بعدها بساعات، يقوم به وزير الخارجية التركية أحمد أوغلو حين حطت طائرته في زيوريخ السويسرية لتوقيع اتفاق تاريخي مع نظيره الأرميني لتطبيع العلاقات المقطوعة بين البلدين منذ 16 عاما، في الطريق لإنهاء قرن من العداء التاريخي بين البلدين منذ الحرب العالمية الأولى، بحضور وزراء الخارجية الأميركية والروسية والأوروبية.
ومنذ وصل حزب العدالة والتنمية ذو الجذور الإسلامية بغالبية شعبية هائلة إلى الحكم في تركيا العلمانية، والمسائل الداخلية المزمنة والمشاكل الخارجية المتشابكة قد أخذت طريقها إلى الحلول، والمناخات الإقليمية والدولية من حول تركيا تتحسن، بما سمح للاقتصاد التركي بالنمو بشكل ملحوظ، وللدور الإقليمي التركي بقيادة رجب طيب أردوغان بالتقدم بصورة لافتة في اتجاه اختراق جدران العداء التاريخية المبررة والمقررة، ما قلب الكراهية والحساسية وعدم الثقة في محيطها الإقليمي والدولي، إلى الصداقة والتعاون، أو على الأقل إلى الحالة الطبيعية للعلاقات الدولية.
خارجيا، ورثت هذه الحكومة ملفات متعددة ومعقدة في الجوار الإقليمي، كملف العداء مع اليونان الذي وصل إلى حافة الحرب المسلحة بسبب المشكلة القبرصية وما زالت عالقة تنتظر الحل النهائي، وملف القطيعة مع أرمينيا بسبب المشكلة التاريخية المثارة في وجه تركيا والخاصة بالأرمن الأتراك منذ الحرب العالمية الأولى، وبسبب مشكلة إقليم «ناجورنو قره باغ» الذي يقع في الأراضي الأذرية بينما تسكنه غالبية أرمينية تقاتل للانفصال، مما أشعل الحرب بين أرمينيا وأذربيجان عقب انفصالهما عن الاتحاد السوفييتي، فيما تقف تركيا بجانب وحدة وسيادة أذربيجان على أراضيها..
إضافة إلى ملف الحساسية التاريخية وعدم الثقة السياسية التي عززتها فترة الحرب الباردة بين تركيا العضو في حلف الأطلسي، وروسيا وإيران وسوريا، لأسباب لسنا بصددها الآن. لكن ما نريد عرضه أن الدبلوماسية التركية بالمبادئ والمصالح معا، وبالذكاء والمبادرة نجحت بالزيارات وبالمبادرات في فتح القنوات المغلقة للتعامل الصحيح مع هذه الملفات، للدرجة التي انقلب فيها التوتر الحاد في العلاقات مع سوريا مثلا إلى تعاون استراتيجي يفوق العلاقات بين الدول العربية، بعد أول زيارة للرئيس التركي عبد الله جول لسوريا، بعد توليه الحكم مباشرة في بداية التحرك التركي في المحيط الإقليمي.
ومثلها زيارة الاختراق المثيرة للرئيس جول أيضا إلى العاصمة الأرمينية «يريفان» في سبتمبر الماضي، بعد قرن من العداء وخمسة عشر عاما من القطيعة الدبلوماسية، لحضور مباراة كرة القدم للتأهل لكأس العالم بين فريقي أرمينيا وتركيا، ودعوته الرئيس الأرميني ساركيسيان لحضور المباراة الثانية للفريقين في إسطنبول هذا الشهر، و«بدبلوماسية الفوت بول» فتح الطريق إلى توقيع وزيري خارجية البلدين في زيوريخ قبل يومين أول اتفاقات تاريخية لتطبيع العلاقات بين البلدين الجارين، وأهمها إعادة السفراء وفتح الحدود. وبينما بقيت مشكلة ناجورنو كاراباغ تنتظر الحل، فلقد بادرت روسيا إلى استضافة وزيري خارجية أرمينيا وأذربيجان لمحادثات في موسكو تبشر بفتح الطريق للحل.