كان متاحاً لرئاسة السلطة الفلسطينية اتخاذ توجه مختلف في التعامل مع تقرير القاضي ريتشارد غولدستون، لو كانت لديها استراتيجية دبلوماسية مستقلة نابعة من إرادة سياسية غلابة.
برئاسة غولدستون صدر التقرير عن لجنة تحقيق دولية أنشأتها الأمانة العامة للأمم المتحدة، بشأن الممارسات العسكرية الإسرائيلية في الحرب الهجومية التي شنتها القوات المسلحة الإسرائيلية ضد أهل غزة عند نهاية العام الماضي وبداية العام الحالي. وكما هو معلوم فإن التقرير وثيقة رسمية دولية دمغت إسرائيل بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وإذا كان التقرير في حد ذاته يعتبر ربحاً صافياً لقضية الشعب الفلسطيني، فإنه كان من الممكن تعظيم هذا الربح أضعافاً مضاعفة لو استثمرته القيادة الفلسطينية دبلوماسياً. فقد توافرت في المجلس العالمي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أغلبية من الدول الأعضاء المساندة لمحتوى التقرير. ووفقاً للإجراءات فإنه حانت فرصة لأن يتخذ المجلس بأغلبية الأصوات قراراً بتحويل التقرير إلى مجلس الأمن الدولي.
من المؤسف بالطبع أن الرئاسة الفلسطينية شاءت غير ذلك، حيث طلبت إرجاء التصويت، فلم يكن أمام الغالبية المتعاطفة في مجلس حقوق الإنسان من خيار سوى التجاوب مع طلب أهل القضية بالأصالة.
ولنتساءل: ماذا كان سيحدث لو انتقل التقرير إلى مجلس الأمن الدولي؟سوف تقع معركة دبلوماسية داخل المجلس تنتهي إلى أحد أمرين: إما أن يجاز التقرير بأغلبية الأصوات، وبذلك تحال القضية إلى المحكمة الجنائية الدولية. وإما أن يسقط التقرير بالأغلبية.
لكن مجرد عرض التقرير على مجلس الأمن سيكون من شأنه تعريض الولايات المتحدة لحرج عظيم، خاصة إذا اضطرت إلى استخدام الفيتو لإفشال إحالة الأمر إلى المحكمة الجنائية الدولية.
في كل الأحوال لن تكون الرئاسة الفلسطينية طرفاً خاسراً.. فاشتعال معركة دبلوماسية بشأن التقرير داخل المجلس، سيكون في حد ذاته كسباً سياسياً ودعائياً للقضية الفلسطينية.
المشكلة الأساسية هي أن السلطة الفلسطينية بمحاصرتها ضمن الأجندة الإسرائيلية، فقدت حرية التحرك الدبلوماسي الاستقلالي.
إن من المتاح للسلطة الفلسطينية قيادة العمل الدبلوماسي العربي في اتجاه الانتصار لقضية الشعب الفلسطيني، واستقطاب حلفاء دوليين في عالم متعدد الأقطاب مثل روسيا والصين .
لكن عليها أولًا أن تتحرر من الارتهان إلى القبضة الإسرائيلية ـ الأميركية.