رفض حكومة أردوغان لمشاركة إسرائيل في مناورات جوية فوق الأراضي التركية؛ لا تقل عن صفعة تأنيب وزجر لتل أبيب. خطوة رمزيتها أكبر من حجمها. أهميتها، عدا عن توقيتها، تكمن في أنها صادرة عن بلد كانت تربطه بها علاقات خاصة.

لم تكن إسرائيل تتوقع أن تأتيها من أنقرة رسالة تفيد بأنها باتت بمنزلة «شخص غير مرغوب فيه». ثم إن الغرور، الذي ضرب أطنابه لديها، جعلها تستبعد أن يتجرأ أحد في الساحة الدولية ويقول لها «لا».

كان لا بدّ من صدمة، بأي درجة، لإسرائيل. منذ محرقة غزة وهي منفلتة بلا حدود. ثم جاءت حكومة نتانياهو، لتجعل عدوانيتها مفتوحة بكل الاتجاهات. لم يخرج خطابها مرة، عن لغة التحدّي والاستفزاز. على الأرض، لم تعتمد سوى سياسة التنكيل والانتهاك ونهب المزيد من الأرض الفلسطينية. تمادت في تقويض فرص السلام، من خلال الإصرار على التوسع وعلى مسلسل الشروط التعجيزية. وتجاهلت، القرارات والتقارير الدولية وضربت بها عرض الحائط.

بل هاجمتها، لأنها تجرأت وصوّبت الإصبع نحوها. قرار وكالة الطاقة النووية، أقامت الأرض ولم تقعدها ضدّه، لمجرد أنه سلّط الأضواء على منشأتها النووية وطالبها بالكشف عنها.

تقرير غولدستون، خصّه نتانياهو بهجوم عنيف؛ مشدّداً على أن إسرائيل لن تسمح بمحاكمة أحد مسؤوليها أمام القضاء الدولي. وكأن الدولة العبرية تسبح في فضاء خاص، يعلو على القوانين والمؤسسات الدولية. وحتى على واشنطن أوباما، الذي تمادى هو الآخر في التهاون معها.

أو كأن العالم مسخّر لخدمتها ولتقبّل تجاوزاتها وعدوانيتها. لكن هذه المرة كانت حكومة أردوغان، لها بالمرصاد. انتظرت اللحظة المناسبة، لترجمة إدانتها لعدوان غزة. المشادة الكلامية، بين رئيس الحكومة التركية وشيمون بيريز في منتدى دافوس الأخير وانسحاب اردوغان على أثرها؛ كانت المقدمة فقط. شطب اسم إسرائيل من لائحة الدول المشاركة في المناورات، تعدّى البعد العسكري. وزير الخارجية التركي، أوضح أن السبب سياسي، يتعلّق بالعدوان الإسرائيلي على غزة.

هذا الربط العلني، أحرج كما أربك حكومة نتانياهو؛ التي حاولت التقليل من أهمية قرار الحكومة التركية. مع أن هذه الأخيرة فضّلت إلغاء المناورات كلياً، بعد الاعتراض الأميركي والإيطالي على استبعاد إسرائيل.

على أن تستجيب للضغوط وتعيد النظر بمنعها. وبذلك، فالقرار يؤشر إلى توجّه تركي جديد. بحدّ ذاته، شكّل هزّة ولو محدودة، للعلاقات بين أنقرة وتل أبيب. بداية. ويسجّل للحكومة التركية جرأتها في رسم أولى خطواتها. وهي خطوة مهمة يجدر بالجانب العربي والفلسطيني تحديداً، التمعن فيها لاستخلاص دروسها، فضلاً عن العمل على تعزيزها والاستفادة منها.