أثارت صور الحملة الإعلامية لمؤتمر أسري تنظمه إحدى الجهات حول «أبناء الطلاق إلى أين؟»، والتي تصور أبناء الطلاق في صورة سلبية إذ يخفون وجوههم وهم غارقون في البكاء وربما الضياع، حفيظة أمهات وزوجات كان قدرهن الطلاق وأن يعنين وحدهن بتربية أبنائهن ورعايتهم في ظروف ربما لم تكن طبيعية، وتمكنّ بفضل ما أوتين من وعي وتحد ورغبة في تحقيق الذات في الأبناء، من تربيتهم تربية صالحة لم تتمكن الأسر بوجود الأبوين معا من تحقيقها.
ترى هؤلاء الأمهات أنه مع أهمية الاهتمام بأبناء الطلاق، خاصة أولئك الذين يعيشون مع آبائهم وزوجاتهم الذين ربما تعرضوا لأنواع من العنف والأذى الجسدي وغير ذلك، إلا أن وضع من يقيمون مع أمهاتهم اللائي برهنّ على إصرارهن على التضحية من أجلهم ورفض فرص الارتباط من جديد، يكون أفضل من أولئك، خاصة مع التحدي الكبير الذي تحياه الأمهات في جعل حاضر ومستقبل أبنائهن أكثر إشراقا، وواقعنا مليء بأمثلة كثيرة مشرقة ومشرفة لأبناء تخرجوا في مدارس أمهات جديرات بأرفع الأوسمة.
وتؤكد هاته الأمهات أنه ليس الطلاق في حد ذاته يعتبر نارا تحرق كل الأطراف، بل يرينه أحيانا بردا وسلاما على الأبناء قبل غيرهم، إذن ليس بالضرورة أن يكون أبناء الطلاق «ضحايا» وضع اجتماعي يفرضه عليهم الكبار، أو واقع يجدون أنفسهم فيه بفعل الغير نتيجة «أنانية» أو صفات أخرى يطلقها علماء الاجتماع وخبراء النفس على زوجين لا يتفقان على البقاء، ويكون الانفصال هو الحل الأمثل أمامهما.
فكم من أبناء يعيشون المر كله ويعانون صنوف الأمراض النفسية وغيرها، وهم بين أحضان الأبوين! وكم من مشاكل وقضايا يتورط فيها الأبناء لا علم لوالديهم بما يحيونه، إلا بعد أن تقع الفأس في الرأس! وكم من أبناء يقاسون الوحدة ويعيشون فراغا وهم بين أبويهم! وكم من أبناء لا يرون آباءهم إلا بالصدفة ولا يلتقون في جلسات أسرية إلا في المناسبات!
جميل أن تهتم الهيئات والمؤسسات الوطنية، حكومية كانت أو خاصة، بالأوضاع الاجتماعية عامة وبفئات معينة في المجتمع، لكن هذا الاهتمام يحتاج إلى معرفة مسبقة بالواقع الفعلي المراد تصحيحه أو معالجته، من خلال بحوث واستبيانات ميدانية تتم على أسس علمية دقيقة وبمسؤولية عالية، لا مجرد تصورات عامة أو قياسات تقوم بها جهة خارجية أو «خبير أجنبي»، انطلاقا من واقع آخر في مجتمعات مختلفة عن مجتمعنا الإماراتي العربي المسلم، وأحيانا مناقضة لتقاليدنا وقيمنا الأسرية والاجتماعية.
بالطبع لا يعني هذا التقليل من أهمية أي جهد ايجابي يتم في هذا الإطار، أيا كانت الجهة التي تقوم به، ولكن المطلوب والضروري هو أن يكون هذا الجهد منطلقا من الواقع الفعلي القائم، وبالتنسيق مع الجهات المختصة.. حتى تعم الفائدة وتتحقق الأهداف المرجوة.
