يعتقد البعض أن الرئيس التشيكي فاتسلاف كلاوس يمثّل آخر العقبات القائمة في وجه المصادقة على اتفاقية لشبونة، التي بموجبها وعلى أساسها سيعمل الاتحاد الأوروبي خلال الحقبة القادمة. وبالرغم من أن الأمر قد يبدو صحيحا من الناحية النظرية والقانونية الشكلية، لأن كلاوس لا يزال يرفض التوقيع على مشروع المصادقة التشيكي رغم مروره عبر غرفتي البرلمان، إلا أن الواقع يشير إلى وجود «متهمين» آخرين في دول أخرى أيضا.

فالأداء الذي يعبّر عنه الرئيس كلاوس ليس في الواقع سوى انعكاس لمجموعة من المعتقدات والأفكار التي يؤمن بها ملايين من المنتشرين في أرجاء القارة الأوروبية، لا سيما هؤلاء المعروفون بانتمائهم الإيديولوجي المحافظ. وبالتالي فإن الأمر ليس مجرد تنفيس لاحتقان عقائدي قومي خائف على مستقبل البلاد بعد أن تذوب في المحيط الأوسع، بل هو استكمال لنشاط سياسي يدور في اتجاهات مختلفة، لكنه يكون أوضح ومدويا أكثر عند كلاوس نظرا للموقع الرسمي الذي يتبوّؤه في الوقت الحاضر.

وأكبر دليل على ذلك أن النظرة الناقدة لعملية التكامل الأوروبي بشكلها الحالي يتبنّاها بكل وضوح أيضا حزب المحافظين في بريطانيا، وشريحة كبيرة من أبناء الشعب الإيرلندي، ناهيك عن مجموعة التيارات الفكرية والسياسية المماثلة المنتشرة في أرجاء أوروبا من أقصاها إلى أقصاها. ومؤخرا انتشرت معلومات موثقة أفادت بأن زعماء حزب المحافظين البريطانيين اتصلوا بكلاوس طالبين منه المماطلة في عملية التوقيع قدر الإمكان، لأنهم سيلجؤون لتنظيم استفتاء شعبي في بريطانيا إذا تمكنوا من استلام السلطة بعد الانتخابات المقبلة.

هذا فقط للتوضيح كي لا نقع في فخ التحليلات المبسّطة التي تحمّل الرئيس التشيكي أكثر من حجمه، وكذلك لكي نعطي «المناضلين» الآخرين ضد لشبونة حقهم التاريخي في هذه المرحلة المصيرية التي تستعد فيها أوروبا لولوج تجربة جديدة لا نعرف حتى الآن إلى أين ستقود شعوبها، وكيف ستكون تأثيراتها على العالم بأسره.

وانطلاقا من هذه المقدمة قد يكون من المفيد الإشارة إلى بعض النقاط التي قد تساهم في إلقاء الضوء على الأسباب التي تدعو كلاوس وغيره لتبنّي هذا الموقف المبدئي من كافة المحاولات التي جرت وتجري لتوحيد أوروبا ضمن كيان تنفيذي منسجم، يثير الأمل لدى البعض والخوف والقلق في نفوس الآخرين.

وهنا بالفعل يكمن بيت القصيد. فهذا الكيان المنسجم يبقى محور الخلاف بين أنصار التيارين المتنازعين، لأنه يجسّد في الواقع عمق التباين الفكري والأيديولوجي بينهما، ويفسح المجال لتأويلات وتفسيرات كثيرة فيما يخص البعد المستقبلي لعملية التكامل الأوروبية.

فبينما يرى مناصرو هذه العملية بأنها ستفرز كيانا أوروبيا قويا ومتماسكا ستكون له تأثيرات كبيرة على الخارطة الدولية، يرى معارضوها أنها لن تساهم إلا بتعزيز مركزية القيادة في بروكسل لصالح بعض المؤسسات المتنفذة التي ستنتفع وحدها من الاتفاقية، وستقلّل من صلاحيات الحكومات الوطنية أو المحلية.

في هذا السياق يوضّح كلاوس أن المقصودين في هذا الاتهام هم مؤسسات مثل البعثة الأوروبية، البرلمان الأوروبي، المجلس الأوروبي والمحكمة الأوروبية، بالإضافة للأشخاص المتنفّذين والمرتبطين بها. لماذا؟ لأن اتفاقية لشبونة، حسب رأي المحافظين، ستجعل منها مؤسسات قادرة على أن تتخذ القرارات بكل سيادية، والأهم من ذلك أنها ستكون قادرة على فرضها على الدول المعنية، دون أن يكون للأخيرة حق النقض أو الرفض إلا وفق ما تنص عليه الاتفاقية المذكورة.

وانطلاقا مما سبق يبدو أن منتقدي اتفاقية لشبونة، وخصوصا كلاوس، قلقون من بعض الاعتبارات القانونية التي قد تنجم عن الواقع الجديد الذي ستفرضه هذه الاتفاقية على الترتيب القانوني والقضائي اللاحق، وهو ما تبيّن بشكل واضح مؤخرا، لأنها ستلقي بظلالها على بعض القضايا الحساسة ذات البعد التاريخي والجغرافي، وأهمها إمكانية الطعن في بعض الوثائق والمقررات القانونية التاريخية والتي شكّلت أساسا لترتيب القارة الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية.

ويجري الحديث في هذا السياق عن احتمال لجوء بعض الألمان للطعن في المراسم الجمهورية التشيكوسلوفاكية الصادرة عن الرئيس إدوارد بينيش، والتي تم بموجبها طرد ملايين الألمان والنمساويين والمجريين من الأراضي التشيكوسلوفاكية السابقة وتأميم كافة ممتلكاتهم.

هذا الموضوع يعتبر من المواضيع الحساسة جدا في الجمهورية التشيكية، ولا يمكن لأحد، أكان مواطنا عاديا أم سياسيا، أن يتصور قيام المحكمة الأوروبية في المستقبل بالطعن في هذه الحقائق التاريخية التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من التراث القانوني والسياسي للجمهورية التشيكية.

ويبدو وفق آخر ما تم رصده من مواقف في براغ، أن كلاوس سيرمي بهذه الحقائق باعتبارها الرصاصة الأخيرة التي في جعبته، لكي يحفظ «حقوق» شعبه من احتمال تعرّضها للطعن من قبل أصحاب «الحق» الأصليين الذين قد يطالبون بإعادة ممتلكاتهم يوما ما. أما الطريقة التي سيتّبعها كلاوس من أجل تحقيق ذلك، فقد تمحورت حول ما رشح عن محادثاته التي أجراها مؤخرا مع بعض مسؤولي الاتحاد الأوروبي، وهو أنه سيطالب ببعض التعديلات أو الإضافات الطفيفة على البند المتعلق بحقوق الإنسان، بحيث يُمنع على أي كان أن يطعن بالنظام القانوني المحلي في المستقبل.

لا ندري إذا كان كلاوس سينجح في معركته الأخيرة، لأنه وقبل أن يواجه منتقديه على الساحة الأوروبية، يضطر للاصطدام تكرارا بمعارضيه على الصعيد الداخلي. ولهذا بعد تكتيكي مهم جدا، لأنه لا يمكن رفع أي طلب مماثل دون دعمه بإجماع وطني حقيقي، ولا يمكن لتشيكيا أن تحصل على ضمانات مماثلة لتلك التي حصلت عليها بولندا وبريطانيا، إذا لم يتمكن كلاوس من إقناع أبناء جلدته بأهمية المصالح التي يستميت شخصيا للدفاع عنها.

السلطة والقوة أولا أم الحرية الشخصية؟ إنه جوهر الحوار الذي يستعر في أوروبا حاليا بخصوص الترتيب المقبل.. وكلاوس ليس إلا حجرا أساسيا في فسيفسائه الواسعة.

كاتب لبناني

ezzedine@vol.cz