أرسل قارئ فاضل خطاباً يعلق فيه على مقالتي «إحياء الخلافة الإسلامية في لندن»، وقد شجعني حواره الراقي على كتابة هذا الرد تعميماً لفائدة القراء، يقول الأخ الفاضل:
1. قبل أن نحكم على الديمقراطية إن هي من الإسلام أم لا، علينا أن نعرفها كما عرفها أهلها لا كما نريد أن نعرفها نحن، ولو عدنا لأساس الكلمة لوجدنا أنها تعني حكم الشعب بالشعب، وبناءً عليه فالديمقراطية ليست من الإسلام لأنها تجعل الحكم للشعب، بينما الحكم في الإسلام لله رب العالمين، قال تعالى (إن الحكم إلا لله) (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم) (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون).
2. الديمقراطية ليست الشورى، وإن وجد قدر مشترك بينهما فهذا لا يعني أن الشورى هي الديمقراطية، فالبقرة تمشي على أربع والكلب يمشي على أربع، لكن لا نقول بأن الكلب هو البقرة.
3. أما الحريات التي تقوم عليها الديمقراطية، فتكفي الإشارة إلى أن الإنسان لم يختر أن يأتي لهذه الحياة ولم يختر متى يذهب، فكيف نقول إن الإنسان حر؟!
4. أما لماذا بقاء الشباب المسلم في الغرب رغم أنهم ضد الحضارة الغربية، فالرسول صلى الله وسلم وجد في مجتمع جاهلي وعمل على تغييره بالصراع الفكري والكفاح السياسي ولم ينسحب، وما هجرته إلى المدينة إلا بعد أن أوجد المجتمع الإسلامي في مكة.
5. أما كيف استطاع الغرب الكافر أن يحقق التطور والتقدم بالديمقراطية، رغم سيئاتها وشرورها، فالجواب أن هذا التقدم في الحقيقة عائد للثورة الصناعية.
6. الديمقراطية توجد نهضة كأي مبدأ، لكن السؤال هل هذه النهضة صحيحة أم لا؟
7. المسلمون في ظل الخلافة حققوا أيضاً التطور والتقدم الذي كان الأساس لانطلاق الغرب.
8. الخلافة التي يدعو إليها حزب التحرير، هي الخلافة التي بشر إليها الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ (ثم تكون خلافة راشدة على منهاج النبوة)، فهي ليست أموية ولا عباسية ولا عثمانية.
9. وحتى لو كانت الخلافة أموية وعباسية وعثمانية، فهي خير من هذه الأنظمة في عالمنا الإسلامي.
10. النصوص الشرعية تنص على أن يكون المسلمون في دولة تجمع شملهم (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما)، وأن يطبقوا الإسلام وأن يبايعوا خليفة ينوب عنهم في تطبيق الشريعة (من مات وليس فيه عنقه بيعه مات ميتة جاهلية).
هذه أبرز النقاط الخلافية في خطاب القارئ الفاضل، وقبل مناقشتها عندي ملاحظتان:
الملاحظة الأولى، تتعلق بنزعه عامة تسود لدى المطالبين بعودة الخلافة، وهي نزعة مضمرة لا يفصح عنها خطابهم الظاهري، لكنها تشكل ظاهرة عامة هي الإعجاب الخفي بحكم الفرد ممثلاً بنظام «الخلافة»، بالصورة التاريخية التي امتدت 1300 عام ـ إذا استثنينا الخلافة الراشدة القائمة على مشاركة الأمة في القرار العام ومراقبة السلطة ـ فسالخلافة التاريخيةس ما هي إلا لون من ألوان حكم الرجل الفرد.
حيث خليفة المسلمين يجمع كافة السلطات الدينية والتنفيذية والتشريعية والقضائية، فلا معقب على قراره ولا قيد على سلطانه ولا حدود زمنية لولايته، بل يستمر حاكماً حتى يتوفاه الله أو يزيل سلطانه إمام متغلب بسيفه، واستمر هذا النمط من الحكم الفردي قروناً متطاولة عبر خلافات متوالية: أموية فعباسية فعثمانية، حتى سقطت في العقد الثالث من القرن العشرين.
وعلى امتداد هذه القرون كان دور الأمة غائباً ومهمشاً، فقد عطل الخلفاء حق الأمة في اختيار الحاكم وأقصوها عن المشاركة في أي شأن من الشؤون العامة، ورسخوا الروح الجبرية والقهرية والاستلابية. يقول د. عبد الله النفيسي: «السلطة الأموية كانت من طراز السلطة القيصرية ملكاً صرفاً أهدر وعطل مبدأ الشورى، وتوسع في الأكل من بيت المال حتى خرج من الحدود الشرعية.
وكانت تظلم الناس في جباية الأموال بالوسائل غير المشروعة، وكان الخلفاء لا يتحرون العدل ولا الشرعية، ولا تختلف الخلافة العباسية الكسروية عن الأموية القيصيرة كثيراً». على أن ظاهرة الإعجاب ب«حكم الفرد» لا تقتصر على الساعين لإحياء الخلافة، بل هي ظاهرة عامة عند كتاب ومثقفين مختلفي المشارب، فهناك الذين ما زالوا يحنون إلى حكم عبد الناصر، وهناك الذين يمجدون حكم صدام. هذا الإعجاب والحنين إلى زحكم الفردس هو بعض المواريث المترسبة في النفسية والعقلية الجمعية، بتأثير من نظام «الخلافة» الذي ترسخ في الأرض العربية.
إن مجتمعاتنا اليوم بحاجة إلى إجراء عمليات تفكيك لهذا الموروث الذي لا يرى في «حكم الفرد» أية منقصة، كما لا يرى في تغييب دور الأمة ومصادرة حقها في اختيار حكامها ومراقبتهم أيه غضاضة. إننا بحاجة إلى ثقافة سياسية تتوافق وروح العصر وتعزز حق الأمة في المشاركة العامة، لأن المواريث القهرية التي تحول أو تنتقص من دور الأمة، هي مواريث معوقة لأي تقدم أو نهضة.
وهي أخطر ما يهدد مستقبل الأجيال القادمة. على المنادين بإحياء الخلافة أن يعيشوا منطق العصر الذي أصبح يرفض هذا اللون من «حكم الفرد»، ومن المستحيل عودة «الخلافة» في هذا العصر، لأنه لا عودة إلى الوراء، كما لا عودة إلى عهود الإذلال والقهر واستلاب دور الشعوب باسم «الخلافة».
الملاحظة الثانية، تتعلق بتضخيم سلبيات الديمقراطية وافتقاد الثقة في الحكم الديمقراطي، ورداً على ذلك أقول: إن دعاة الديمقراطية لم يدعوا في يوم من الأيام أن الديمقراطية نظام خال من العيوب، بل قالوا إن الديمقراطية، وبالرغم من مثالبها، هي أفضل صيغة نظامية للحكم توصلت إليها البشرية عبر تجاربها الطويلة في الحكم، وذلك لأنها تحقق أمرين هما عماد تقدم المجتمعات، الأول: ضمان الانتقال السلمي للسلطة وتداولها ومنع احتكارها لطائفة أو حزب أو قبيلة.
وبذلك يتم ترسيخ الاستقرار السياسي للمجتمع كشرط ضروري للتنمية، الثاني: الديمقراطية مع مثالبها تمتاز بآلية ذكية لتصحيح الأخطاء، وهذا ما تفتقده النظم الفردية التي وإن حققت إنجازات سريعة إلا أنها تنتهي إلى الفشل بسبب مغامرات غير محسوبة، ومن هنا قيل أن مساوئ الديمقراطية تعالج بمزيد من الديمقراطية.
ختاماً، أقول إن الإسلام إذ أمرنا بالشورى، إلا أنه لم يتعبدنا بنظام «الخلافة» كما لم يلزمنا بلون معين من ألوان الحكم السياسي، لأن الأنظمة متغيرة لكن المبادئ هي الثابتة، وقد أعطانا الإسلام حرية صياغة مبدأ الشورى بما يتوافق ومنطق العصر الذي نعيشه، وبما ينسجم مع مواثيق حقوق الإنسان ويعزز دور الأمة في تنظيم شؤونها من غير وصاية.
كاتب قطري